Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
14 septembre 2006 4 14 /09 /septembre /2006 01:44
ملكات النفس الإنسانية ومستويات التجريد
في فلسفة ابن سينا
(تابع)
أحمد أغبال
 
تحتل المعرفة الحسية المرتبة الدنيا في سلم المعارف لأنها تتأسس على الانطباعات الحسية التي لا تميز في الموضوع بين أعراضه وجوهره؛ ذلك لأن الحواس تأخذ الصورة من المادة مع لواحقها، حسب تعبير ابن سينا، ولا تفصلها عنها، ولذلك تتلاشى الصورة بمجرد اختفاء المادة.
وتقع المعرفة التي تنشأ عن الخيال في المرتبة الموالية، لأن الخيال يعزل الصورة عن المادة، وتظل قائمة في المخيلة بعد غياب المادة، ولكنها لا تكون مجردة عن لواحقها. ويكمن الفرق بين الحس والخيال في أن الأول لا يجرد الصورة عن المادة ولا عن لواحقها تجريدا تاما ، وأما الخيال فإنه يجرد الصورة عن المادة تجريدا تاما ولكنه لا يجردها من لواحقها، ولذلك تظل كل صورة في الخيال مرتبطة بموضوع مخصوص. ليس باستطاعة قوة الخيال، إذن، أن تشكل صورة عامة تعكس الخصائص المشتركة بين أفراد النوع.
وتأتي المعرفة التي تنبني على الوهم في المرتبة الثالثة، لأن الوهم يدرك المعاني التي ليست في ذاتها مادية كمعاني الخير والشر، ولكن هذه المعاني قد يعرض لها أن تكون في بعض المواد. وهو عندما يحصل عليها فإنما يأخذها من المادة بمساعدة الخيال. إن ما يميز الوهم هو قدرته على التعامل مع المعاني التي ليست مادية، ولكنه يأخذها من المادة ولا يجردها من لواحقها. فتظل معاني الخير والشر مثلا متعلقة بالموضوعات الحسية متأثرة بلواحقها. ولذلك لا تستطيع إدراك معنى الخير في ذاته ومعنى الشر في ذاته.
وتحتل المعرفة العقلية المرتبة العليا لأنها تتأسس على صور الموجودات المجردة عن المادة. لأن العقل يدرك صور مختلف أنواع الموجودات، سواء تعلق الأمر بصور المعقولات التي ليست مادية البتة ولا يعرض لها أن تكون مادية، أو صور المعقولات التي ليست مادية البتة والتي يعرض لها أن تكون مادية، أو صور الموجودات المادية ولكن مبرأة عن لواحق المادة من كل وجه.
وميز ابن سينا في ملكات الإدراك بين نوعين: داخلية وخارجية. يعتمد الإدراك الخارجي على الحواس الخمس، تنقل صور الموضوعات المادية الخارجية وتضعها في مستودع "الحس المشترك" الذي يطلق عليه ابن سينا أيضا اسم "فنطاسيا". يندرج الحس المشترك في صنف الملكات الداخلية، وتكمن وظيفة هذه الملكات في استقبال الصور المحسوسة وإدراك معانيها وحفظها. ذلك لأن للمدركات الحسية صور ومعاني، "والفرق بين إدراك الصورة وإدراك المعنى أن الصورة هو الشيء الذي يدركه الحس الباطن والحس الظاهر معا، مثل إدراك الشاة لصورة الذئب، أعني تشكله وهيئته ولونه، فإن الحس الباطن من الشاة يدركها، لكن إنما يدركها أولا حسها الظاهر، وأما المعنى فهو الشيء الذي تدركه النفس من المحسوس من غير أن يدركه الحس الظاهر أولا، مثل إدراك الشاة للمعنى المضاد في الذئب، أو المعنى الموجب لخوفها إياه وهربها عنه من غير أن يدرك الحس ذلك البتة" (الشفا، ص. 43-44). ويعتبر ابن سينا الحس المشترك أو الفنطاسيا من القوى المدركة الباطنية الحيوانية التي تقبل بذاتها الصور المنطبعة في الحواس الخمس.
وتندرج ملكة الخيال ضمن هذا الصنف أيضا، ولها علاقة بالحس المشترك التي تحفظ ما انطبع فيها من الصور التي أمدته بها الحواس الخمس، وتبقى حاضرة فيها بعد غيبة المحسوسات. ذلك لأن الحس المشترك يقبل الصور الحسية ولا يحفظها.
ومن القوى الباطنية ما يسميه ابن سينا القوة المتخيلة بالقياس إلى النفس الحيوانية والمفكرة بالقياس إلى النفس الإنسانية. وتكمن وظيفتها في الاشتغال على المعطيات المحفوظة في ملكة الخيال وتتصرف فيها بأن تركب بعض الصور والمعاني أو تفصل بعضها عن بعض.
 وهناك القوة المتوهمة، وتكمن وظيفتها في إدراك المعاني غير المحسوسة المرتبطة بكل موضوع من الموضوعات المحسوسة الخاصة أو الجزئية، وتقوم بتقدير قيمته كل موضوع وتصدر بشأنه حكما خاصا. إن هذه القوة هي التي تمكن الشاة، مثلا، من إدراك خطورة الذئب على حياتها وتدفعها إلى الهروب منه. يقول ابن سينا بهذا الصدد: " كالقوة الموجودة في الشاة الحاكمة بأن هذا الذئب مهروب عنه وأن هذا الولد هو المعطوف عليه" (الشفا، ص. 45-46). تقوم ملكة الوهم، إذن، بتقدير قيمة الأشياء من خلال بيان ما تنطوي عليه من معاني الألم واللذة وما إلى ذلك، وتحفظ خبرتها (المعاني والتقديرات والأحكام) في ذاكرة خاصة وهي"القوة الحافظة الذاكرة" حسب تعبير ابن سينا، وتتصرف فيها تركيبا وتفصيلا، بحسب الإرادة، وتحولها إلى ما يمكن أن نسميه بالتمثلات، وتجعلها في متناول العقل العملي لدى الإنسان. وتختلف "القوة الحافظة الذاكرة" عن القوة الحافظة (الحس المشترك) المرتبطة بملكة الخيال من حيث أن الأولى تحفظ المعاني التي تدركها القوة الوهمية بينما تحفظ الثانية الصور المحسوسة التي تطبعها الحواس الخمس في الحس المشترك.
تلك هي قوى النفس الحيوانية، وأما النفس الناطقة الإنسانية فتنقسم قواها إلى قوة عاملة وقوة عالمة، وتسمى كل واحدة منهما عقلا. يمكن التمييز في النفس الإنسانية، إذن، بين عقل نظري وعقل عملي. يقوم العقل العملي لدى لإنسان مقام القوة النزوعية لدى الحيوان، فهو يمثل المبدأ الذي تصدر عنه أفعال الإنسان وانفعالاته كالحياء والخجل والضحك والبكاء وما إلى ذلك. وإذا كانت القوة المتوهمة لدى الحيوان هي القوة التي تؤدي وظيفة التقدير والتمييز وتحدد بالتالي كيفية التصرف في وضعية معينة، فإن سلوك الإنسان يتحدد بالقرارات المتخذة في ضوء الأحكام التي تصدرها قوة الروية وفقا لما فيه مصلحة الفرد وصلاح النوع الإنساني، حيث تقوم ملكة الروية باستنباط التدابير والأحكام من المبادئ الأخلاقية العامة من قبيل "الواجبات والممتنعات" والتي تشبه إلى حد كبير مقدمات القياس العقلي في العلوم النظرية من حيث شموليتها وبداهتها. إن مقدمات الأخلاق كمقدمات القياس العقلي لا نحتاج إلى دليل للتصديق بها. يقول ابن سينا: " فيكون للإنسان إذن قوة تختص بالآراء الكلية وقوة تختص بالروية في الأمور الجزئية...ويكون ذلك بضرب من القياس والتأمل...غايته أنه نوقع رأيا في رأي جزئي مستقبل من الأمور الممكنة لأن الواجبات أو الممتنعات لا يروى فيها...". إن القول بأن الواجبات والممتنعات "لا يروى فيها"، إنما يدل على أنها واضحة بذاتها، ولا يحتاج فيها لا إلى إبداء الرأي ولا إلى تقييمها. فهل معنى ذلك أن ابن سينا قد أسس نظريته في الأخلاق على مبدأ الواجب باعتباره مرجعية متعالية وكونية؟
برى ابن سينا أن السلوك الأخلاقي يتأثر بقوة البدن مثلما يتأثر بقوة العقل. لأن النفس الإنسانية، كما يتصورها، جوهر تربطه علاقة بالبدن وعلاقة بالعقل، وله في كل حالة قوة خاصة تنظم علاقته بهذا أو ذاك: فالقوة العملية تنظم علاقة النفس بالبدن، والقوة النظرية تنظم علاقته بـ"المبادئ العالية". وإذا كان ابن سينا يعتقد أن للعقل سلطة على البدن تحول دون انقياده للمبادئ الطبيعية التي وصفها بأنها "أخلاق الرذيلة"، فإنه لا يستبعد أن " تنسب الأخلاق إلى القوى البدنية"، وتكون الأخلاق نسبية عندما تصبح الغلبة للقوى الطبيعية على القوى العقلية، يقول ابن سينا: "حيث تكون لها [القوى الطبيعية] هيئة فعلية ولهذا [العقل] هيئة انفعالية وليسم كل هيئة خلقا، فيكون شيء واحد يحدث منه خلق في هذا وخلق في ذلك". وإن كانت القوى الطبيعية هي الغالبة " تكون لها هيئة انفعالية ولذلك هيئة فعلية غير غريبة" (الشفا، ص. 47). ويدل مفهوم الهيئة الخلقية "غير الغريبة" على الفضيلة الخلقية السامية أو الحقيقية المستمدة من "المبادئ العالية". بحيث يمكن القول إن الأخلاق الطبيعية هي مرحلة من مراحل تطور العقل الأخلاقي عند ابن سينا. يبدو وكأن العقل العملي ينمو بموازاة العقل النظري في سعيه نحو اكتساب مزيد من الكمال، فينتقل من مستوى الهيئة الخلقية التي تتحكم فيها الحاجات الفيزيولوجية والمصلحة الذاتية إلى مستوى الهيئة الخلقية التي توجهها المبادئ الإنسانية الكونية. عبر ابن سينا عن هذا المقام الرفيع بعبارة جميلة وردت في سياق آخر، وتستحق أن نوردها هنا مرة أخرى، يقول: "وهناك تكون القوة الإنسانية تشبهت بالمبادئ الأولية للوجودكله". 
إن ما يميز موضوعات العقل العملي عن موضوعات العقل النظري هو أن الأولى خاصة وعرضية ومتغيرة ما دامت تتعلق بالسلوك الإنساني وأهدافه، ولذلك يمكن التروي فيها وتغييرها بشكل إرادي في ضوء العقل و"المبادئ العالية" حسب تعبير ابن سينا. وأما موضوعات العقل النظري، الذي يختص بالتأمل في حقيقة الموجودات ومبادئها الأولى، فتتميز بكونها شمولية وثابتة لا تتغير، إنها عبارة عن كليات أو جواهر ثابتة.
تكمن وظيفة العقل النظري في استقبال الصور المجردة الوافدة إليه من الخارج. يكون في البداية مثل صفحة بيضاء، ثم تنطبع فيها صور المعقولات المجردة. يقول ابن سينا: " وأما القوة النظرية فهي قوة من شأنها أن تنطبع بالصور الكلية المجردة عن المادة. فإن كانت مجردة بذاتها فأخذها لصورتها...وإن لم تكن فإنها تصير مجردة بتجريدها إياها حتى لا يبقى فيها من علائق المادة شيء" (الشفا، ص. 48). وقد يكون قبول الصور إما بالقوة أو الفعل. ويمر العقل عند انتقاله من القوة إلى الفعل بعدة مراحل في اتجاه مزيد من التجريد إلى يصل إلى إدراك المعقولات الخالصة. 
 
 

Partager cet article

Published by Ahmed AGHBAL - dans دروس
commenter cet article

commentaires

Recherche

Archives

عناوين المقالات

دروس في الفلسفة

Liens