Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
21 janvier 2008 1 21 /01 /janvier /2008 12:34

يلعب المستوى الأمثل دورا مهما في عملية النمو، فهو الذي يحدد ما يمكن للفرد أن يتعلمه، ويحدد المهارات التي يمكنه اكتسابها،ويتحكم في القدرة على تطبيق قواعد التحويل الخمس، وينبئ بالمرحلة النمائية التي يمكن للفرد ولوجها. فإذا كانت المرحلة الأخيرة من الطور الأول، مثلا، هي التي تمثل المستوى الأمثل بالنسبة لطفل في الرابعة أو الخامسة من العمر، فسيكون باستطاعة هذا الطفل أن يتمثل دور الطبيب، ولكنه لن يكون قادرا على التنسيق بين المهارات التي تؤهله لتمثل مختلف الأدوار من أجل إدراك علاقة التفاعل بينها. وكذلك الحال بالنسبة لقواعد التحويل الأربع الأخرى، فإن إمكانية تطبيقها من أجل إحداث نقلة في بنية المهارات تتحدد بطبيعة المستوى الأمثل في مرحلة معينة من المراحل النمائية. فإذا كان الطفلفي بداية طوره النمائي الثانيقد اكتسب القدرة على تطبيق قاعدة التأليف على مستوى الأدوار للخروج بفكرة التفاعل بينها، فإنه لن يكون قادرا على تطبيقهاخلال تلك المرحلة على مستوى التفاعل بين وحدات الأدوار المتفاعلة التي تم بناؤها،ولذلك تظل كل وحدة من وحدات الأدوار المتفاعلة منفصلة عنبعضها البعض. تمثل كل وحدة من وحدات الأدوار المتفاعلة في المرحلة الأولى من الطور الأول نسقا من التمثلات. ولن يتمكن الطفل من التأليف بين الأنساق التمثلية إلا بعد مضي حوالي ثلاث أو أربع سنوات، أي بعد أن يكتسب القدرة على بناء نسق الأنساق التمثلية الذي يضاهي المفهوم المجرد.
وهكذا، فإن كل مستوى أمثل جديد يجعل الفرد أمام تحديات جديدة، لأنه يرفع سقف المطالب فيما يتعلق بالقدرات التي يتعين على الفرد اكتسابها ليكون قادرا على تطبيققواعد التحويل الخمس. ذلك لأن تطبيق قواعد التحويل من أجل تغيير بنية المهارات الأكثر تعقيدا يتطلب مجهودا أكبر من المجهود الضروريلتغيير بنية المهارات الأقل تعقيدا، ولذلك يعجز الفرد على تطبيقها في بداية كل مرحلة جديدة. ومع مرور الوقت يرتفع العجز تدريجيا، ويبدأ بتطبيق القواعد البسيطة كالتعويض والتمييز والتركيز إلى أن يكتسب القدرة على التنسيق والتأليف. ولا تتشكل هذه القدرة إلا بعد أن تظهر مقومات المستوى الأمثل الجديد في أفق قريب المدى.
يخضع النمو المعرفي، من وجهة النظر هذه، لإكراهات المستوى الأمثل لا لإكراهات الذاكرة القريبة المدى.. وتجدر الإشارة إلى وجود علاقة بين المستوى الأمثل وعامل السن: ففي كل مرحلة من مراحل العمر يتشكل المستوى الأمثل من جديدفي نفس الفترة الزمنية على وجه التقريب لدى جميع الأفراد العاديين الذين ينتمون إلى نفسالفئة العمرية والذين يعيشون في ظروف اجتماعية متماثلةـ ويمر جميع أفراد الفئة بنفس المراحل، وتحدث كل طفرة في فترة محددة من فترات العمر بالنسبة إليهم جميعا. تحدث الطفرة الأولى لدى الأطفال في السنة الرابعة من العمر، وتحدث الطفرة الثانية في السنة السادسة، وتأتي الطفرة الثالثة في حوالي السنة الحادية عشرة من العمر. يتطابق هذا التحقيب مع التحقيب الذي اقترحه كل منروبي كيس Case وجون بيغس Biggs وغيرهما (Siegler,. 1997). وتظهر الطفرات لدى المراهقين والراشدين في حوالي السنة الخامسة عشرة، والتاسعة عشرة، والخامسة والعشرين Fischer. 1984 . p. 51)). وفي أعقاب كل طفرة تزداد بنية المهارات قوة وفعالية، ويرجع الفضل في ذلك إلى انبثاق المستوى الأمثل الجديد في الأفق القريب.
ومن المزايا المترتبة عن ازدياد درجة تعقد بنية المهارات المصاحب للطفراتاتساع الطاقة الاستيعابية للذاكرة القريبة المدى. ذلك لأن الذاكرة النشيطة تصاب بالإتخام في نهاية كل طور من الأطوار النمائية بسبب تضاعف عدد الوحدات أو العناصر المعرفية التي يتعين على الفرد معالجتها في آن واحد. ففي نهاية الطور الأول، مثلا، تزداد قدرة الطفل على تمثل الوقائع، فينتج من التمثلات ما لا يستطيع التحكمفيه، ويزداد الضغط على الذاكرة القريبة المدى.ذلك أنه كلما تضاعف عدد الوحدات التي يتم إنتاجها إلا وتقلصت الطاقة الاستيعابية للذاكرة القريبة المدى،ويتواصل الضغط على الذاكرة النشيطة إلى أن تستنفذ طاقتها. وعندما يصبح الفرد قادرا على التأليف والتنسيق بين مجموعة من الوحدات يتحرر جزء مهم من حيز الذاكرة القريبة المدى لفترة من الزمن، ثم إنها لا تلبث أن تصاب بالإتخام من جديد كلما ازداد الضغط عليها. وعندما يتمكن الفرد من التنسيق بين التمثلات في إطار نسق متكامل يتحرر جزء من حيز الذاكرة النشيطة مرة أخرى، ثم تصاب بالإتخام عندما تتكاثر الأنساق التي تشكلت على ذلك النحو. وعندما يتمكن الفرد من اختزالأنساق التمثلات في مفهوم مجرد تتسع طاقتها الاستيعابية من جديد، حيثيتشكل النسق الكلي الذي يساعد على تحريرها، وهكذا دواليك. يدل ذلك على وجود علاقةبين الذاكرة القريبة المدى والمستوى الأمثل. يتوقع في ضوء هذه النظرية أن تزداد قدرة الذاكرة القريبة المدى كلما ارتفع المستوى الأمثلوكلما ازدادت درجة تعقد بنية المهارات في كل مرحلة من المراحل النمائية. يقول فيشر وبيب بهذا الصدد(Fischer and Pipp. 1984, p. 71):
 »إن ارتفاع المستوى الأمثل يزيد من قدرة الفرد على معالجة المعلومات، لكن ازدياد القدرة لا يترتب عن الزيادة في كمية المعلومات التي يتم الاحتفاظ بها في الذاكرة النشيطة، بل عن التغير الحاصل في طبيعة البنية التي يمكن التحكم فيها. إن بروز المستوى الأمثل الجديد يمنح القدرة للفرد على إعادة تنظيم مهاراته بطريقة أكثر فعالية. وهكذا، فإن حصول نقلة في المستوى الأمثل يزيد من موارد الذاكرة، لأن المستوى البنيوي الجديد يؤدي إلى معالجة المعلومات بفعالية أكبر «    
تتضمن هذه الفقرة إشارة إلى نظرية كيس Case المتعلقة بنمو الذاكرة القريبة المدى. يبدو أن فيشر وزميله يتفقان معه حول نقطة واحدة على الأقل، وهي أن قدرة الذاكرة القريبة المدى تنمو مع مرور الزمن، ولكنهما يختلفان معه فيتفسير هذه الظاهرة. فبينما يرى كيس أن الزيادة في فعالية الذاكرة القريبة المدى تتجلى من خلال قدرة الذاكرة على استيعاب عدد أكبر من المعلومات في كل مرحلة جديدة، يعتقد فيشر وزميله بيب Pipp أن الأمر لا يتعلق بكمية المعلومات بل بكيفية تنظيم المهارات. وليس معنى ذلك أن كيس لا يأخذ بعين الاعتبار الجانب الكيفي في عملية النمو، فقد سبقت الإشارة إلى مدى أهمية مبدأ دمج البنيات في نظريته، وهو ما ألح عليه فيشر بدوره في حديثه عن مبادئ التحويل. والفرق بين فيشر وكيس هو أن هذا الأخيريفسر عجز الذاكرة القريبة المدى بتزايد كمية المعلومات التي يتعين على الفرد معالجتها في لحظة واحدة، ويرتفع العجز عندما يكتسب القدرة على دمج عمليات معالجة المعلومات بعضها مع البعض الآخر، مما يؤدي إلى اتساع الطاقة الاستيعابية للذاكرة القريبة المدى، فيرتفع مستوى الأداء؛بينما يرى فيشر أن الفرق بين البنية الجديدة والبنية السابقة لا يكمن في كمية المعلومات التي يمكن لهذه البنية أو تلك أن تستوعبها،بل في درجة الفعالية في معالجة المعلومات التي يرسم المستوى الأمثل الحدود القصوى التي يمكن أن تصل إليها في كل مرحلة نمائية.
خلاصة
على الرغم من الاختلافات الجوهرية بين أفكار كل من فيشر وكيس وغيرهما من البياجيين الجدد ثمة نقاط تقاطع ذات معنى بينهم. ولا عجب في ذلك إذا علمنا أنهم ينطلقون جميعا من مرجعية مشتركة. ترجع جذور أفكارهم جميعا إلى بياجي وعلم النفس المعلوماتيوعلم النفس الفارقي الذي جعلهم يأخذون بعين الاعتبار الفروق الفردية في النمو ويحاولون تفسيرها. ويستطيع المحلل أن يلمس في أعمال بعضهم إلى أي حد كان تأثير عالم النفس السوفياتي فيكوتسكي Vygotskyسائدا وقويا. لقد أمدهم هذا المفكر الذي سبق عصره بتصوراته وأفكاره ببعض المفاهيم الأساسية التي مكنتهم من إدراج عوامل المحيط في معادلات النمو والتعلم.
ومع أن هؤلاء الباحثين ينطلقون جميعا من أرضية واحدة فإنهم تعاملوا معها بطرق مختلفة، وتأثروا بها بدراجات متفاوتة. وهذا شيء طبيعي، وهو ما يفسر نقاط التلاقي والتقاطع والاختلافبينهم. فهم يعتقدون مثل بياجي أن متغيرات السن والنضج ترسم لقدرة الطفل على معالجة المعلومات في كل مرحلة من مراحل العمر حدودا لا يمكنه تجاوزها،وتحدد بذلك قدرة الفرد على اكتساب المهارات والتعلم. ويرون جميعا أن الإكراهات التي تفرضها عوامل السن ومستوى النضج الفيزيولوجي تخفوطأتها مع مرور الزمن، وتزداد القدرة على التعلم واكتساب المهارات. ولكنهم يختلفون في تصورهم لآليات النمو، حيث ركز كيس على أهمية الدور الذي تلعبه الذاكرة القريبة المدى، بينما أولى فيشر أهمية خاصة لمفهوم المستوى الأمثل. وقد يرجع هذا الاختلاف إلى تباين تقديراتهمالمدى أهمية الدور الذي تلعبه كل من العوامل الفيزيولوجية وعوامل المحيط في السيرورة النمائية. وما يمكن ملاحظته بهذا الصدد هو أن فيشر يولي أهمية كبيرة لعوامل المحيط التي يختزلها مفهوم المستوى الأمثل الذي أخذه عن فيكوتسكي. إن هذه العوامل هي التي تلعب الدور الرئيسي في تنامي قدرة الذاكرة القريبة المدى في نظرية فيشر،بينما تظل هذه العوامل ثانوية في نظرية كيس بالمقارنة مع المكانة التي تحتلها العوامل الفيزيولوجية فيها. ولذلك نجد كيس يميل أكثر إلى الرأي القائل بأن النمو يحصل في الغالب بطريقة تلقائية، ويميل بالتالي إلى تمجيد التعلم الذي يرتكز على مبدأ التوجيه الذاتي، ويقلل من أهمية دور الراشدين في عملية النمو والتعلم، ويرى، علاوة على ذلك، أن بإمكان الفرد أن يعمم استخدام المهارة المكتسبة ليشمل جميع الحقول المعرفية. وفي المقابل يلح فيشر على أهمية الدعمالذي يتلقاه الطفلمن الراشدين، ويعتقد أن لكل حقل من الحقول المعرفية بنية خاصة من المهارات. ولعل التباين في تقدير أهمية الدور الذي تلعبه كل من العوامل الاجتماعية وعوامل النضج الفيزيولوجي في السيرورة النمائية هو ما يفسر اختلاف تصوراتهما لسيرورة النمو العقلي المعرفي، حيث إنها تأخذ شكلا خطيا تصاعديا في نظرية كيس، بينما تأخذ شكل شبكة معقدة في نظرية فيشر.
                                                                                       

Partager cet article

Published by Ahmed AGHBAL - dans مقالات
commenter cet article

commentaires

Recherche

Archives

عناوين المقالات

دروس في الفلسفة

Liens