Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
8 novembre 2007 4 08 /11 /novembre /2007 18:37
نظريات النمو المعرفي والتعلم لدى فيكوتسكي والفيكوتسكيون الجدد
أحمد أغبال
 الفيكوتسكيون الجدد
في عام 1978 ترجم كول Cole وزملاؤه مجموعة من نصوص فيكوتسكي الأساسية وعلقوا عليها. جمعت هذه النصوص في كتاب يحمل عنوان «العقل في المجتمع»Mind in Society كان الهدف من ترجمتها هو تصحيح نظرة الباحثين إلى هذا العالم السوفياتي الذي طالما أسيء فهمه في الدوائر الأكاديمية الغربية. وتسعى الترجمة أيضا إلى « تسليط الأضواء على العديد من مصادراته النظرية الكبرى، وخاصة تلك التي ربما كانت مصدر البحث السيكولوجي المعاصر »John-Steiner and Souberman, 1978, p. 121 )(. من هذه المصادرات:
§        أن الإنسان كائننشيط يشارك بشكل فعال في خلق مقومات وجوده , وتقرير مصيره، ويساهم بشكل فعال في تحقيق نموه الذاتي. ذلك لأن كل فرد يتمتعبالقدرة على اكتساب الوسائل التي يستعملها، في كل مرحلة من مراحله النمائية، للتأثير في الذات وفي العالم من حوله. تترتب عن هذه المصادرة الأساسية مصادرات فرعية أهمها:
§        لا يمكن للفرد المنعزل أن يحصل على المعرفة. إن العمليات المعرفية هي في الأصل عمليات اجتماعية، وتتحول إلى عمليات سيكولوجية ذاتية أو شخصية من خلال الفعل والمشاركة في نشاط الجماعة. يفترض إذن أن للبنية المعرفية مضمون اجتماعي.
§        لا تحصل المعرفة إلا من خلال الفعل والتفاعل الاجتماعي الذي يعني المشاركة في الأنشطة الاجتماعية-الثقافية. إن السبيل إلى المعرفة إذن هو الفعل والمشاركة.
§        توجد علاقة بين تاريخ الفرد وتاريخ ثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه، بين البعد المعرفي الشخصي في عملية النمو وبعدها الاجتماعي المشترك. هناك إذن علاقة جدلية بين التعلم باعتباره نتاج عملية التفاعل الاجتماعي وبين النمو المعرفي. فبواسطة التعلم يتم إغناء البنية المعرفية بعناصر جديدة، كما أن البنية المعرفية الجديدة تزيد من قدرة الفرد على التعلم والاستفادة من مصادر المعرفة التي يتوفر عليها محيطه الاجتماعي.
§        إذا كان التعلم لا يحصل إلا من خلال الفعل فإن تأثير الفعل يزداد قوة عندما يتقن الفرد استعمال الأدوات والرموز اللغوية وغير اللغوية كوسائط. تلعب هذه الوسائل دورالمتغيرالذي يتوسط العلاقة بين الفرد والمجتمع وتساهم بذلك في تشكل البنية الذهنية. وكلما تغيرت الأدوات إلا وتغيرت البنية الذهنية. عبر إدوارد بورغ Berg عن هذا المبدأ بقوله: " فكما أن أدوات العمل تتغير تاريخيا كذلك تتغير أدوات التفكير تاريخيا. وكما أن أدوات العمل الجديدة تؤدي إلى تشكل بنيات اجتماعية جديدة كذلك تؤدي أدوات التفكير الجديدة إلى تشكل بنيات ذهنية جديدة " (أورده John-Steiner et al, 1978, p. 132)هذا ما تؤكده ثورة المعلومات.
 
عبر أعضاء الهيئة التي ترجمت الكتاب عن مدى تأثرهم بأفكار فيكوتسكي بأسلوب يحمل بصماته. وصفوا التغير الذي طرأ على بنيتهم الذهنية لما قرؤوا المخطوطات واستوعبوا ما تنطوي عليه من مبادئ من خلال «المشاركة النشيطة» في دراستها من أجل الكشف عن معانيها وإعادة بنائها في الذهن. « وكان للحصيلة المترتبة عن استبطان أفكار فيكوتسكي ديناميتها الخاصة »التي أفضت بهم إلى تجاوز ثنائية الفرد والمجتمع والتعارض بين المقاربة الفردانية والمقاربة الاجتماعية في الدراسات السيكولوجية المعاصرة. بهذا الأسلوب البليغ عبروا عن مدى تشبعهم بأفكار فيكوتسكي التي جعلت منهم تيارا فكريا متميزا ومتعاليا عن الحساسيات الأيديولوجية.ولقد استطاعوا بفضل جهودهم الرامية إلى تحيين وتجديد أفكار هذا العالم السوفياتي أن يتبوءوا مكانة مرموقة في الساحة العلمية داخل الولايات المتحدة ذاتها في السنين الأخيرة من القرن العشرين.
يعلن هؤلاء الباحثون انتماءهم إلى تيار علم النفس الثقافي التاريخي الذي ينحدر في الواقع من أصول متنوعة تمتد إلى هيجل وماركس مرورا بديوي، ودوركايم، وليونتيف Leontiv، ولوريا Luria، وشترن Stern، والذي يمثله فيكوتسكي أحسن تمثيل. وأما القاسم المشترك بين ممثلي هذا التيار في الوقت الراهن فهو إيمانهم بوجود روابط حميمة بين خصائص المحيط وخصائص العمليات السيكولوجية للفرد الذي يعيش في ذلك المحيط. يقول كول بهذا الصدد: (Cole, 1997, p. 247) 
Cultural-historical psychology begins from the assumption that there is an intimate connection between the special environment that human beings inhabit and the fundamental, distinguishing, qualities of human psychological processes. The special quality of the human environment is that it is suffused with the achievements of prior generations in reified (and to this extent materialized) form
يشمل هذا الاتجاه كل النظريات التي حاولت التأليف بطرق مختلفة بين المقاربة التي تركز على الفرد organismic approach والمقاربة التي تركز على السياق contextual approach. برزت في هذا الإطار نظريات عديدة تعكس كل واحدة منها تصورا خاصا للعلاقة بين الفرد والمحيط. نذكر منها على سبيل المثاللا الحصرنظريات كل من برونر Bruner، ونلسن Nelson وروغف Rogoff، وشويدر Shweder، وورتش Wertsch. ومهما اختلفت وجهات نظرهم وأساليبهم في التأليف بين المقاربتين فإن نتائج بحوثهم الميدانية تتفق مع بعضها وتتكامل.
.وقبل الشروع في استعراض جانب من نتائج هذه البحوث التي لها علاقة بموضوع بحثنا ومتغيراته ومفاهيمه الإجرائية نود أن نشير إلى أن هؤلاء الباحثين تأثروا بأفكار بعض الفلاسفة والمنظرين البريطانيين الذين اشتهروا في النصف الثاني من القرن العشرين. يأتي في مقدمتهم ماكموري McMurray صاحب كتاب «Persons in relation» (1961). من أفكاره الأساسية التي حظيت باهتمام علماء النفس قوله بمبدأ التكيف المتبادل بين الأنا والغير، وتأكيده على أن المرء لا يصبح شخصا إلا من خلال ارتباطه بأشخاص آخرين، وأن العلاقة بين الأشخاص يحكمها مبدأ الدافعية الذي يشمل النوايا والمقاصد. إن العلاقات البيشخصية في نظره هي أساس وجود الشخص، وربما تعارضت مع علاقته بالمجتمع ككل. إن الفرد لا يستجيب في سلوكه لمطالب المجتمع ولكن لما تمليه عليه العلاقات البيشخصية. يظهر التنافر بين متطلبات الحياة الاجتماعية ومتطلبات الحياة البيشخصية في عالم الأطفال بشكل واضح. هذا بالإضافة إلى أن ماكموري رفض التسليم بمبدأ التعارض بين العقل والوجدان بدعوى أنه لا يمكن الفصل في العلاقات البيشخصية بين البعد العقلي والبعد الوجداني. إن فهم الغير ممن تربطني به علاقة شخصية يشمل فهم الدلالات والمعاني وإدراك المقاصد والنوايا والحوافز بصفة عامة.
تقودنا هذه الفكرة بالضرورة إلى الحديث عن فيلسوف آخر كان له تأثير واسع بدوره، يتعلق الأمر بهاملين Hamlyn صاحب النظرية القائلة بعدم قابلية المعرفة للتجزيء non-atomicityof knowledge. والمقصود بذلك، حسب قوله، أنه لا يمكن الفصل في المعرفة بين العناصر «الإبستيمية» والعناصر «غير الإبستيمية». إن المعرفة والفهم لا يتحققان في نظره ما لم يكن للفرد وجود اجتماعي، وما لم يكن على ارتباط بالآخرين من موقع الشخص الفاعل. إن فهم موضوع معين يستلزم الإحاطة بجوانبه المعرفية وغير المعرفية، فهو يشترط توفر الفرد على معلومات وافية بالموضوع ووعيه بمعايير صحته. هذا مع العلم بأن معيار التمييز بين الصواب والخطأ معيار اجتماعي ينشأ عبر عملية تفاعل الفرد مع شخص يقوم مقام المصحح بالنسبة إليه. ولا يتحقق ذلك إلا إذا اعترف بذلك الشخص كمصحح ومقوم لسلوكه المعرفي. تتلخص هذه النظرية في عبارة هاملين المشهورة: «لا يمكن لأحد أن يعرف شيئا ما لم يعرف أشياء أخرى« ( Hamlyn, 1983 , p. 166 ).
يلي ذلك في سلسلة المفكرين الذين كان لهم تأثير كبير عالم النفس البريطاني جبسن Gibson. حظيت نظريته الإيكولوجية باهتمام الباحثين في مجال علم النفس الاجتماعي المعرفي. من مصادراتها الأساسية أن الفرد والمحيط يتفاعلان بطريقة تجعل كل واحد منهما يتكيف مع الآخر باستمرار. بناء على هذا النوع من التكيف المتبادل تتحدد خصائص كل واحد منهما وتترابط فيما بينها ترابطا منطقيا في إطار منظومة إيكولوجية متميزة. وهكذا، فإن تحليل خصائص الفرد يدلنا على خصائص المحيط، كما أن وصف المحيط وصفا دقيقا يخبرنا بمواصفات الكائن الذي يعيش فيه وخاصة ما تعلق منها بسلوكه المعرفي، على اعتبار أن هذا السلوك هو وسيلته في التكيف مع المحيط. ونظرا لوجود هذه العلاقة فإنه لا يجوز تقييم الأنشطة المعرفية وهي مجردة عن سياقها الطبيعي. يرتكز الهيكل النظري الذي بلوره جبسن Gibson على ثلاثة مفاهيم أساسية وهي: مفهوم « العطاء الطبيعي » إذا جاز هذا التعبير الذي نقترحه كترجمة لمفهوم affordance الذي يشير إلى ما يمنحه المحيط للفرد ويجعله في متناول إدراكه، والمقصود بذلك كل ما يحمله من معاني ودلالات بالنسبة إليه. ومفهوم فاعلية الكائن effectivity الذي يدل على ما للفرد من استعدادات هادفة تؤهله لإدراك ما يقدمه له المحيط. هذان المفهومان مترابطان ومتكاملان، حيث يدل الأول منهما على ما يؤهل الشيء لأن يدرك، ويدل الثاني على ما يؤهل الفرد لإدراكه. وأما المفهوم الثالث فهو مفهوم المعلومة information الذي يوظفه جبسن Gibson بطريقةخاصة تختلف تماما عن طريقةتوظيفهفي إطار النموذج المعلوماتي ( Gibson, 1979 ).
تركز هذه الدراسات كلها على مدى أهمية التفاعل الاجتماعي باعتباره المبدأ الأساسي الذي تتمحور حوله البنية المعرفية. وليس المقصود بالتفاعل الاجتماعي هنا تلك العملية الميكانيكية المتمثلة في الفعل ورد الفعل. إن ما يميز التفاعل الاجتماعي حسب هؤلاء المنظرين هو ارتكازه على مبدأ التناسق القصدي الذي يدفع كل طرف من أطراف عملية التفاعل إلى تكييف زاوية نظره وأفكاره ومشاعره وسلوكه عن وعي مع ما يقابلها لدى الطرف الآخر. هذا التكيف المتبادل، الواعي والمقصود، هو الشرط الضروري لقيام التواصل. من خلاله يحقق الفرد وجوده كشخص,ويحصل له الوعي بالذات وبالآخرين، ويكتسب بالتالي القدرة على المعرفة الموضوعية. يجب التنبيه بهذا الصدد إلى ان مبدأ التفاعل ليس متغيرا مستقلا يقع هناك خارج عملية النمو العقلي، وإنما هو جزء لا يتجزأ منها. يعتبر التفاعل قدرة من قدرات العقل البشري (1976,Humphrey)  هناك من يقول إنها قدرة فطرية، بمعنى الاستعداد القبلي للتبادل. وهي تمثل ذلك الجزء من العقل الذي يسمى بالذكاء الاجتماعي والذي يوجد إلى جانب الذكاء العملي كالقدرة على حل المشكلات مثلا. يتجلى النمو العقلي,في نظر الباحثين الذين يمثلون هذا التصور الذي سنأتي عليه بعد حين، من خلال الكيفية التي تدمج بها القدرة على التفاعل ومهارات التواصل مع القدرات العقلية العملية في إطار بنية متميزة.

Partager cet article

Published by Ahmed AGHBAL
commenter cet article

commentaires

Recherche

Archives

عناوين المقالات

دروس في الفلسفة

Liens