Lundi 22 octobre 2007
كيف يمكن التحقق من صدق البرهان
أحمد أغبال
 
" إن من لا يعرف موقفا آخر غير موقفه من مسألة معينة لا يعرف إلا النزر القليل عن موضوع الخلاف. وقد تكون حججه جيدة لم يفلح أحد في دحضها. ولكن، إذا كان هو نفسه عاجزا أيضا على دحض حجج غريمه، وإن لم يكن حتى على علم بها، فإنه لا مبرر له في تفضيل موقف عن آخر"
                                                                                                         جون ستوارت مِل
يعرف الاستدلال بأنه عملية من العمليات العقلية العليا التي تمكن من استنتاج قضية (النتيجة) من قضية أو مجموعة من القضايا (المقدمات=الحجج) تلزم عنها بالضرورة منطقيا. فإذا كانت المقدمات صادقة وكانت عملية الاستنباط المنطقي سليمة تراعي قوانين المنطق فإن النتيجة تكون صادقة ويكون قبولها أمرا محتوما؛ ويعتبر البرهان صحيحا إذا كانت قضاياه صادقة وكان شكله سليما. والمقصود بشكل البرهان بنيته المنطقية التي يمكن تبينها بوضوح عندما تستبدل العبارات بالرموز، وذلك على النحو التالي: كل أ هي ب؛ بعض أ هي ج؛ إذن، بعض ب هي ج. إن شكل البرهان في هذه الحالة سليم.
الاستدلال، إذن، هو الطريقة المنطقية لتبرير نتيجة ما، وخلال هذه العملية يطلب منك التسليم أو التصديق ببعض القضايا، وإذا سلمت بها لزم أن تأخذ بالنتيجة المترتبة عنا، كأن يقال لك مثلا:
هل تسلم معي بان القضية ج1 صادقة ؟ ...طيب.
وهل تسلم مع بأن القضية ج2 صادقة ؟ ...طيب.
وهل تسلم مع بأن القضية ج3 صادقة ؟ ...طيب.
(...)
وهل تسلم معي بأن القضية ج س صادقة ؟ ...طيب
إذن يجب أن تقبل النتيجة ن.
وهذا مثال نموذجي من تاريخ الفلسفة، وهو عبارة عن نص رائع للفيلسوف اليوناني بارمنيدس Parménideيبرهن فيه على أن الوجود قديم لا بداية له ولا نهاية: غير مخلوق وغير قابل للفناء:
"هيا معي، سأحدثك عن طرق البحث الوحيدة المفتوحة أمام العقل، ولسوف تفهمني:
إحداها، أن الوجود موجود، وأن اللاوجود غير موجود. إنه سبيل اليقين الذي يرافق الحقيقة.
والأخرى، أن الوجود غير موجود، وأن اللاوجود موجود بالضرورة، وهو السبيل الذي لا يجب أن يغريك بالسير فيه أبدا.
إذ لا يمكنك معرفة ما لا يوجد، ولا أن تدركه أو تعبر عنه.
لأن الفكر والوجود شيء واحد.
يجب أن تفكر وأن تقول ما يوجد، لأن الوجود موجود.
اللاوجود غير موجود، هذا ما أحثك على الإعلان عنه.
إنني أنصحك بعدم السير في طريق البحث التي يتيه فيها عامة الناس الذين لا يعلمون شيئا..
فهم يعتقدون أن الوجود واللاوجود شيء واحد (...)
ليس هناك سوى سبيل واحد من سبل الخطاب،
وهو أن الوجود موجود، وهناك أدلة كثيرة على أنه غير مخلوق وغير فان، وأنه كوني، واحد، ثابت، ولا نهاية له.
ما كان غير موجود في الماضي، ولن يكون غير موجود في المستقبل، هو موجود الآن في كليته، واحد باستمرار. لأنه، أي أصل تريد أن يكون للوجود ؟
من أين له أن ينشأ وفي أي اتجاه يمكنه أن يترعرع ؟ هل نشأ عما ليس موجودا ؟
لن أسمح لك لا بقول هذا ولا بالتفكير فيه، لأنه، لا يعقل أن يكون الموجود غير موجود، كما أنه لا يمكن التعبير عما ليس موجودا.
إذ، ما الذي سيضطره للنشوء عاجلا أو آجلا من لاشيء ؟
يجب أن يكون تاما أو لا يكون.
وكذلك فإن قوة العقل لن تسمح لك بأن تخرج مما يوجد شيئا آخر [غير موجود].
وبالتالي، فإن العدالة تقتضي ألا يقبل [الوجود] لا النشأة ولا الفناء (...)
فإما أن يكون أو لا يكون. ولكننا قررنا التخلي عن إحدى الطرق، وهي الطريق التي يستحيل فيها الفهم والتعبير وبلوغ الحقيقة، وتقرر السير في الطريق الأخرى، طريق [الإيمان] بأن الوجود موجود حقيقة.
ولكن، كيف يمكن لما يوجد أن يوجد [على نحو آخر] في المستقبل ؟
كيف يمكنه أن يصير [شيئا آخر=اللاوجود] ؟
فإن صار [شيئا آخر] فلن يكون له وجود، وهذا القول ليس أكثر إيغالا في الخطأ من قول قائل إنه وجب أن يوجد يوما [بعد أن لم يكن].
وهكذا تُستبعد النشأة والموت الذي لا يمكن تفسيره."
ينطوي هذا الاستدلال على نوعين من البرهان: يهدف أحدهما إلى إثبات قضية معينة، بينما يسعى الآخر إلى تفنيد القضية النقيض. وإذا كان استدلال بارمنيدس قد اتخذ طابعا جدليا، فلأنه أراد أن نسلم معه بصدق القضية التي تقول بأن "الوجود موجود"، باعتبارها الحقيقة الوحيدة الممكنة، ليجعل منها مقدمة لبرهانه على قدم العالم وعدم قابليته للفناء، وبذلك يكون قد استعمل نتائج البرهان على بطلان القضية التي تقول بأن "الوجود غير موجود" لتأكيد بدهية القضية السابقة. وأما دليله على بطلانها فهو استحالة التفكير في اللاوجود أو معرفته أو التعبير عنه بواسطة اللغة.  
وإذا التزمنا مع بارمنيدس بالسير على طريق العقل، وسلمنا معه بأن "الوجود موجود" وبأن "اللاوجود غير موجود" طبقا لقوانين المنطق (مبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض)، فإنه يتعين علينا القبول بالنتائج المترتبة عن هذه المقدمة التي أصبحت تفرض نفسها على العقول كبديهية لم يبق مجال للشك فيها. وسوف أعيد ترتيب القضايا المستنبطة من المقدمة الرئيسية على النحو الذي يجعل بنية البرهان واضحة وجلية:
إذا كان الوجود موجودا،
فلا يجوز القول بأنه لم يكن موجودا في الماضي،
لأن القول بأنه لم يكن موجودا معناه أنه صدر عن شيء غير موجود.
وهذا غير مقبول، لأننا استبعدنا أن يكون اللاوجود موجودا.
كما أنه لا يجوز القول بأنه لن يكون موجودا في المستقبل.
لأننا استبعدنا أن يكون الوجود غير موجود.
لم يخرج الوجود، إذن، من العدم، ولن يصير عدما
ويلزم عن ذلك أن الوجود دائم الحضور في كليته:
كان، ولا يزال، وسيظل موجودا إلى الأبد.
إنه ثابت، لا حركة فيه ولا تغير
لأنه لو تغير لصار شيئا آخر
والآخر بالنسبة للوجود هو اللاوجود
"وهكذا تُستبعد النشأة والموت الذي لا يمكن تفسيره"
ومعنى ذلك أن الوجود لم يخلق من عدم ولن يلحقه الفناء.
والنتيجة هي أن الوجود لا "يولد" ولا "يموت". فإذا قبلت المقدمات، فإنه يتعين عليك قبول النتيجة، إذ، ما الذي يجعلك تقبل المقدمات وترفض النتائج إذا كانت البرهان سليما خاليا من التناقض؟ طبعا، يجب أن تفحص البرهان لتتأكد من سلامته، وهذه هي الإجراءات العملية التي يتعين عليك القيام بها خلال عملية التحليل المنطقي للاستدلال من أجل التأكد من صحته:
§         فحص القضايا لمعرفة ما إذا كانت صادقة أو غير صادقة؛
§         التمييز في القضايا بين المقدمات والنتائج؛
§         التأكد من صحة البرهان من خلال الكشف عن بنيته وبيان ما إذا كان شكله سليما أو غير سليم؛
§         الحكم على النتيجة: فإذا كانت المقدمات صادقة وكان شكل البرهان صحيحا اعتبرت النتيجة صادقة.
ويشترط في الاستدلال أن تكون جميع القضايا صادقة وأن يكون البرهان صحيحا، لذلك يتوجب عليك فحص الحجج (القضايا) وشكل البرهان فحصا دقيقا، فكثيرا ما يقدم لك البعض حججا براقة لتبرير نتيجة مغلوطة، وهذا ما يسمى بالسفسطة؛ فقد تكون جميع القضايا صادقة بينما يكون شكل البرهان معتلا وغير صحيح. وقد يكون شكل البرهان صحيحا بينما تكون قضاياه غير صادقة. يبين الجدول التالي الحالات الممكنة بخصوص العلاقة بين شكل البرهان الاستنباطي ومضمونه:
 
القضايا
البرهان
كل إنسان فان .................................. سقراط إنسان...........................
إذن سقراط فان........................
صادقة
صادقة
صادقة
 
صحيح
كل الثدييات لها أجنحة................
الزواحف من فصيلة الثدييات........
إذن كل الزواحف لها أجنحة..........
غير صادقة
غير صادقة
غير صادقة
 
صحيح
تقع طنجة شمال المغرب.............
ابن بطوطة من مدينة طنجة..........
إذن طنجة مدينة ساحلية..............
صادقة
صادقة
صادقة
غير صحيح
إذا كان زيد يملك كل آبار النفط   في منطقة الخليج فهو إذن غني..........
زيد لا يملك كل آبار النفط في منطقة الخليج، فهو إذن ليس  غني.....................................
 
صادقة

 

غيرصادقة 
 
غير صحيح
كل الأسماك من فصيلة الثدييات.....
كل الحمير أسماك......................
إذن كل الحمير من فصيلة الثدييات..
غير صادقة
غير صادقة
صادقة
 
صحيح
كل الكلاب لها أجنحة.................
كل جرو له أجنحة ....................
إذن كل جرو كلب.....................
غير صادقة
غير صادقة
صادقة
غير صحيح
وعندما يقوم الفيلسوف بنقد نظرية ما، فإن أول ما يقوم به هو تحليل أسس الاستدلال التي تنبني عليها، فيعمد إلى فحص المقدمات لبيان مدى صدقها وما إذا كان من الجائز منطقيا استنباط النتيجة منها. وهذا بالضبط هو ما فعله الفيلسوف عيمانويل كانط حين تصدى لنقد مثالية ديكارت والسيكولوجيا العقلانية بصفة عامة. وانصب النقد على المصادرات الأساسية التي ترتكز عليها نظريات علم النفس العقلاني لبيان بطلانها ومدى زيف أسلوب البرهنة عليها. وتنحصر المصادرات المستهدفة فيما يلي:
§        الروح جوهر؛
§        وأنها بسيطة غير مركبة؛
§        وأنها تظل ذاتا واحدة في مختلف الأزمنة؛
 
Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : دروس
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Dimanche 21 octobre 2007

كيف يمكن التحقق من صدق البرهان
(تابع)
وعندما يقوم الفيلسوف بنقد نظرية ما، فإن أول ما يقوم به هو تحليل أسس الاستدلال التي تنبني عليها، فيعمد إلى فحص المقدمات لبيان مدى صدقها وما إذا كان من الجائز منطقيا استنباط النتيجة منها. وهذا بالضبط هو ما فعله الفيلسوف عيمانويل كانط حين تصدى لنقد مثالية ديكارت والسيكولوجيا العقلانية بصفة عامة. وانصب النقد على المصادرات الأساسية التي ترتكز عليها نظريات علم النفس العقلاني لبيان بطلانها ومدى زيف أسلوب البرهنة عليها. وتنحصر المصادرات المستهدفة فيما يلي:
§        الروح جوهر؛
§        وأنها بسيطة غير مركبة؛
§        وأنها تظل ذاتا واحدة في مختلف الأزمنة؛
§        ولا يحصل لها الوعي إلا بوجودها هي، بينما تظل الأشياء الأخرى مجرد تمثلات.  
ولقد حاول ديكارت إثبات هذه القضايا بواسطة منطق الكوجيطو الاستنباطي الذي اعتبره كانط برهانا زائفا: فعندما يقول ديكارت: "أنا أفكر، إذن، أنا موجود"، ويقصد بذلك أنه موجود كـ"شيء يفكر" أو كجوهر خاصيته التفكير،  يعترض عليه كانط بقوله إنه لا يجوز استنباط الوجود (الجوهر) من الصفة. فعندما يقول ديكارت: "أنا أفكر"، فإن الأنا هنا هي الأنا المتعالية، إنها مقولة من مقولات المنطق المتعالي، وهي الشرط الضروري لقيام المعرفة لا لقيام الوجود، وتتمثل وظيفتها في الجمع بين التركيبات المعرفية في إطار وحدة متكاملة.
تؤدي الـ"أنا أفكر" إذن وظيفة منطقية، وليس في هذه الوظيفة ما يسمح باستنتاج أن الأنا جوهر ميتافيزيقي ذو خصائص معينة كما فعل ديكارت. فالأنا المتعالية شيء (مبدأ منطقي)، والأنا الميتافيزيقية شيء آخر (جوهر قائم بذاته). وينشأ الخطأ في برهان ديكارت من الخلط بين الأنا المنطقي والأنا الواقعي: ففي القضية الأولى: "أنا أفكر" ترد بالمعنى المنطقي المتعالي، وفي القضية الثانية: "أنا موجود" ترد بالمعنى الأمبريقي الواقعي. كل ما نعرف عن الأنا، كما تقدم نفسها في القضية الأولى، هو أنها مبدأ من مبادئ المنطق المتعالي، إنها مجرد فكرة أو وعي يرافق كل حكم من الأحكام التي أصدرها، أو لنقل إنها مقدمة منطقية ملازمة لكل العمليات العقلية التي أقوم بها؛ ولا يمكنني بالتالي معرفة المزيد عنها أبدا.
وهكذا، فعندما نحاول أن نجعل من الذات المتعالية جوهرا، فإن معنى ذلك أننا نريد تحويلها إلى موضوع لأحكامنا، وهو أمر غير معقول، وعندما نريد القيام بذلك نكون كمن أراد عبثا أن يرى الزمان والمكان، لآن الزمان والمكان مقولتان عقليتان تكمن وظيفتهما في تأطير المعطيات الحسية، مع العلم أنهما لا يشكلان موضوعا من موضوعات الإدراك الحسي. وكذلك، فإن الكوجيطو هو حكم قبلي سابق على جميع الأحكام باعتباره شرطها الضروري الذي لا يخبرنا، مع ذلك، عن طبيعة الأنا؛ ولذلك لا يجوز لي أن أصدر حكما ذا دلالة ميتافيزيقية على أناي، لأنه لا يعقل أن أحكم أنا على أناي، كما لا يعقل أن يكون المرء هو الحاكم والمحكوم في نفس الوقت.
وإذا كان من غير الممكن إثبات وجود الأنا كجوهر فإن القول بأن الروح بسيطة لامادية وبأنها واحدة في كل الأزمنة وخالدة لا تفنى هي أقوال باطلة. وهكذا، فإن تفنيد المقدمات يبطل النتائج المترتبة عنها، ويدحض النظرية بكاملها.    
Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : دروس
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Jeudi 18 octobre 2007
الاستدلال الفلسفي
أحمد أغبال
ليست الكتابة الفلسفية مجرد استظهار وعرض للمعلومات والأفكار، إنها إنتاج لخطاب متماسك وهادف تحكمه بنية منطقية رصينة، وتنشأ هذه البنية عن آليات الاستدلال المنطقي، فلا قيمة لأية قضية أو فكرة ما لم تكن مدعمة بأدلة وحجج مقنعة. ويمكن تعريف الاستدلال الفلسفي تعريفا عاما بأنه مجموعة من المقدمات أو القضايا التي تفضي إلى نتيجة (قضية) تلزم عنها بالضرورة منطقيا، بحيث إذا حصل التسليم بالمقدمات يكون من الضروري قبول النتائج المترتبة عنها. فما المقصود بالمقدمات ولقضايا ؟
إن القضية proposition هي عبارة أو جملة يمكن الحكم عليها بأنها صحيحة أو خاطئة حسب تعريف أرسطو. وتجدر الإشارة هنا إلى أن كل جملة ليست قضية بالمعنى المنطقي للمفهوم، فهناك ما لا يقل عن أربعة أنواع من الجمل وهي: الجملة الاستفهامية، والجملة التي تفيد الأمر أو الجملة الأمرية، والجملة التي تفيد التمني أو غيره من الحالات الشعورية، والجملة الخبرية. فقد تدل الجملة على الاستفهام أو الأمر أو التمني، وقد تعبر عن شعور بالفرحة أو الألم... وقد يكون هدفها هو نقل خبر ما،. فإن سئلت: "متى يصل القطار"، فإنه لا يمكن القول عن هذا السؤال بأنه صحيح أو خاطئ، بمعنى انه لا يمكنك أن تجيب بالقول: "هذا صحيح"، ولن يكون لهذا الجواب معنى في نظر السائل، لأنه لا يتوقع منك هذا الجواب. وكذلك الحال إن قيل لك: "افتح الباب"، أو "أتمنى لك النجاح"، فإن هذه الجمل لا تحمل من المعاني ما يحتمل الصدق والخطأ بناء على معايير المنطق. فإن استجبت للأمر بقولك فقط: "هذا صحيح"، فمعنى ذلك أنك لم تفهم الأمر. وأما إن قيل لك: "مدينة الرباط هي عاصمة المغرب"، فإنه بإمكانك أن تقول: "هذا صحيح"، ويكون لكلامك معنى عند مخاطبك.
إن القضية بالمعنى المنطقي أو الفلسفي هي جملة خبرية أو عبارة تنطوي على فكرة تحتمل الصدق والخطأ، وهذا النوع من القضايا هو الذي يندرج في البنية المنطقية للاستدلال الفلسفي، حيث يؤلف بعضها المقدمات ويمثل بعضها الآخر النتائج المترتبة عن تلك المقدمات. وإنما تساق المقدمات لإقناعنا بصحة النتائج المترتبة عنها إما بواسطة الاستنباط أو الاستقراء. وهذه أمثلة على ذلك:
1-    مثال من التأملات الديكارتية الأولى
"كل ما تلقيته حتى الآن على أنه حقيقة يقينية هو ما أمدتني به الحواس؛ ولكنني أشعر أحيانا بأن الحواس خادعة، ومن قبيل الاحتياط ألا نضع ثقتنا أبدا في أولئك الذين يخدعوننا... وإذن، فإن معرفتي عن العالم ليست يقينية.
يتألف هذا البرهان من مجموعة من القضايا التي يؤدي بعضها إلى بعض وفقا لمبدأ الاستلزام المنطقي implication. تمثل كل قضية في هذا البرهان دليلا يبرر القضية النهائية أو النتيجة المتمثلة في ضرورة الشك في معرفتنا الحسية بالعالم. يدعوك هذا النوع من الاستدلال إلى التسليم مع الفيلسوف بصحة بعض القضايا. تسمى القضايا التي يطلب منك التسليم بها بالمقدمات. وإذا سلمت بها فإنه يتوجب عليك قبول النتيجة المترتبة عنها. لاحظ كيف تتسلسل المقدمات لتفضي بك إلى نتيجة (حقيقة) لا محيد عنها:
 
المقدمات
القضية الأولى
كل ما تلقيته حتى الآن على أنه حقيقة يقينية هو ما أمدتني به الحواس
القضية الثانية
ولكنني أشعر أحيانا بأن الحواس خادعة
القضية الثالثة
ومن قبيل الاحتياط ألا نضع ثقتنا أبدا في أولئك الذين يخدعوننا
النتيجة
القضية الرابعة
وإذن، فإن معرفتي الحسية عن العالم ليست يقينية
هذا هو منطق الاستدلال المنطقي والذي يتعين عليك اكتشافه وبيانه عندما يطلب منك تحليل النصوص الفلسفية. ولكن الفلاسفة غالبا ما يستعملون في كتاباتهم خطابا جدليا يسير بك في منعرجات قد تخلق لديك بعض الارتباك، وتجد نفسك في وضعية يصعب عليك فيها بيان قضايا البرهان والتمييز فيها بين المقدمات والنتائج والتعرف على بنيته. وفي هذه الحالة أنصحك بقراءة النص قراءة متأنية. واعلم أن القراءة هي عملية انتقائية تتطلب القدرة على التمييز بين العناصر الأساسية في النص وعناصره الثانوية. والمقصود بالعناصر الأساسية القضايا الكبرى، وهي العبارات التي تنطوي على فكرة أو مبدأ عام، وأما العناصر الثانوية فهي العبارات التي تشرح القضايا الكبرى وتوضحها من خلال المقارنة أو الأمثلة وما إلى ذلك.وعندما تكتشف القضايا الكبرى حاول أن تميز فيها بين المقدمات والنتائج. وهذا مثال يوضح ما ذهبنا إليه، وهو نص مأخوذ من التأملات الديكارتية الثانية، ينطلق فيه الفيلسوف من نتائج تأملاته الأولى التي استعرضها بأسلوب خطابي ليؤسس عليها البرهان الذي يثبت وجوده كذات مفكرة. والجديد في الفقرة الأولى التي تتضمن نتائج التأملات الأولى هو رغبته في العثور على منفذ للخروج من الشك إلى اليقين. فكيف تسنى له ذلك ؟ هذا ما يتعين عليك فهمه.
2- مثال من التأملات الديكارتية الثانية
يقول ديكارت في تأملاته الأولى:
"لقد ملأت تأملاتي يوم أمس ذهني بالشكوك، ولم يعد باستطاعتي نسيانها. غير أنني لا أعرف كيف يمكنني حل هذه المشكلة؛ وكأنني وقعت في جوف مياه عميقة، وفوجئت بأنني لا أستطيع تثبيت قدماي في قعرها، ولا أن أسبح لأطفو على سطحها. ولم يعد بوسعي سوى أن أواصل السير على النهج الذي سلكته يوم أمس بالابتعاد عن كل ما يمكن أن يثير في نفسي أدنى شك، كما لو كنت على يقين بأنه خاطئ تماما؛ وسأواصل السير في هذه الطريق إلى أن أعثر على شيء يقيني، وإن لم أعثر على شيء من هذا القبيل، أكون على الأقل قد علمت علم اليقين بأنه ليس في هذا العالم شيء يقيني".
 
القضايا
الصياغة المركز للقضايا
1
لقد ملأت تأملاتي يوم أمس ذهني بالشكوك، ولم يعد باستطاعتي نسيانها
لقد أصبح مضطرا للشك في كل شيء
2
غير أنني لا أعرف كيف يمكنني حل هذه المشكلة
وهذه مشكلة احتار في حلها
3
وكأنني وقعت في جوف مياه عميقة، وفوجئت بأنني لا أستطيع تثبيت قدماي في قعرها، ولا أن أسبح لأطفو على سطحها
مثال يوضح المشكلة ومأزق الشك الذي وجد نفسه فيه
4
ولم يعد بوسعي سوى أن أواصل السير على النهج الذي سلكته يوم أمس بالابتعاد عن كل ما يمكن أن يثير في نفسي أدنى شك
ولكنه مضطر للتمسك دائما بمنهج الشك
5
كما لو كنت على يقين بأنه [المشكوك فيه] خاطئ تماما
حتى إن المشكوك فيه أصبح يبدو له معادلا للخطأ
6
وسأواصل السير في هذه الطريق إلى أن أعثر على شيء يقيني
لابد إذن من تجاوز مرحلة الشك والانتقال إلى اليقين
7
وإن لم أعثر على شيء من هذا القبيل، أكون على الأقل قد علمت علم اليقين بأنه ليس في هذا العالم شيء يقيني
وإذا تعذر الانتقال تيقن أنه لا شيء في العالم يقيني
يمكن صاغة هذا البرهان من خلال التركيز على عناصره الأساسية لتنكشف لنا بنيته بوضوح، وذلك على النحو التالي:
 
 
 
المقدمات
القضية الأولى
إنني مضطر للشك في كل شيء
القضية الثانية
ولكن الشك يجعلني في مأزق يصعب الخروج منه
القضية الثالثة
وعندما أحاول الخروج من الشك إلى اليقين أجد نفسي مضطرا للتمسك بمنهج الشك
القضية الرابعة
وبحكم هذا المنهج، يبدو لي كل ما في العالم على أنه غير يقيني
القضية الخامسة
وإذا أسعفني منهج الشك وعثرت على حقيقة يقينية، أكون قد خرجت من الورطة
النتيجة
القضية السادسة
وإن لم يسعفني، أكون على الأقل قد علمت علما يقينا أنه لا يقين في هذا العالم
ماذا حاول ديكارت أن يثبت في النهاية ؟ لقد شك في كل شيء، وهذا الشك يجعل الإنسان في مأزق وحيرة، ولكنه يولد لديه الرغبة في البحث عن الحقيقة اليقينية. وبذلك يكون ديكارت قد أثبت مشروعية منهجه، وبين قيمته وأهميته الفلسفية: إنه السبيل المؤدي إلى الحقيقة اليقينية في عالم يكتنفه الغموض وعدم اليقين. فما هي الحقيقة اليقينية التي توصل إليها ديكارت بعد ذلك ؟ هذا ما سنحاول بيانه من خلال تحليل نص آخر جاء امتدادا للنص السابق. وقبل الشروع في تحليل هذا النص أرجو أن تمعن النظر في نتيجة البرهان السابق: ألا تلاحظ أنها تنطوي على مفارقة ؟ ولكي يتضح لك الأمر سأقوم بإعادة صياغتها في جملة مركزة: أنا علىيقين بأنه لا يقين في العالم. إنه التعبير &#1593
Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : دروس
Ecrire un commentaire - Voir les 1 commentaires - Recommander
Mercredi 17 octobre 2007

الاستدلال الفلسفي
(تابع)
ماذا حاول ديكارت أن يثبت في النهاية ؟ لقد شك في كل شيء، وهذا الشك يجعل الإنسان في مأزق وحيرة، ولكنه يولد لديه الرغبة في البحث عن الحقيقة اليقينية. وبذلك يكون ديكارت قد أثبت مشروعية منهجه، وبين قيمته وأهميته الفلسفية: إنه السبيل المؤدي إلى الحقيقة اليقينية في عالم يكتنفه الغموض وعدم اليقين. فما هي الحقيقة اليقينية التي توصل إليها ديكارت بعد ذلك ؟ هذا ما سنحاول بيانه من خلال تحليل نص آخر جاء امتدادا للنص السابق. وقبل الشروع في تحليل هذا النص أرجو أن تمعن النظر في نتيجة البرهان السابق: ألا تلاحظ أنها تنطوي على مفارقة ؟ ولكي يتضح لك الأمر سأقوم بإعادة صياغتها في جملة مركزة: أنا علىيقين بأنه لا يقين في العالم. إنه التعبير عن مأزق الشك والدليل على أن المشكلة لم تحل بعد. فإذا كان مبدأ اليقين غير موجود في العالم، فأين يوجد إذن ؟ هذا هو السؤال الذي يتعين على ديكارت أن يجيب عليه، وهو ما سيحاول القيام به في النص التالي:
يقول ديكارت في التأملات الثانية:
"ولكن، من أدراني أنه لا يوجد شيء آخر مختلف عن الأشياء التي جزمت بأنها غير يقينية ولا يساورنا بشأنه أدنى شك ؟ أليس هناك إله ما أو أية قوة أخرى هي التي وضعت هذه الأفكار في ذهني؟ ولكن ليس من الضروري أن أفترض وجود مثل هذه القوة، فربما يكون باستطاعتي أن أنتجها بنفسي. وإذن، ألست أنا على ألأقل شيئا ؟ ولكنني أنكرت من قبل أن تكون لي أية حاسة أو أي جسم. ومع ذلك أجدني أتردد بخصوص ما يمكن أن يترتب عن ذلك ؟ ألا يتوقف وجودي على الجسم والحواس إلى درجة لا يكون لي وجود بدونها ؟ ولكنني كنت قد توصلت [في السابق] إلى قناعة بأنه لا يوجد شيء في العالم، لا سماء، ولا أرض، ولا أية روح، ولا أي جسم؛ ألم أتوصل في نفس الوقت إلى قناعة بأنني غير موجود ؟ لا بالتأكيد، كنت موجودا بلا شك، طالما أنني كنت مقتنعا بشيء ما، أو على الأقل طالما فكرت في شيء ما. ولكن هناك كائن ما مخادع قوي جدا ومحتال جدا يستعمل كل ما لديه من فنون المكر ليخدعني دائما؛ إلا أنه مهما خدعني، فلن يكون بوسعه أبدا أن يحول دون أن أكون موجودا طالما أنني على وعي باستمرار بأنني شيء موجود. بحيث أنني، وبعد أن فكرت جيدا، وفحصت كل شيء بعناية، يتوجب علي في النهاية أن أخلص إلى نتيجة، وأثبت بأن القضية: أنا أفكر، أنا موجود، هي قضية صحيحة بالضرورة كلما صرحت بها أو كلما استحضرتها في ذهني"
 
القضايا
الصياغة المركز للقضايا
1
ولكن، من أدراني أنه لا يوجد شيء آخر مختلف عن الأشياء التي جزمت بأنها غير يقينية ولا يساورنا بشأنه أدنى شك ؟
 
2
أليس هناك إله ما أو أية قوة أخرى هي التي وضعت هذه الأفكار في ذهني ؟
 
3
ولكن ليس من الضروري أن أفترض وجود مثل هذه القوة، فربما يكون باستطاعتي أن أنتجها بنفسي.
 
4
وإذن، ألست أنا على ألأقل شيئا ؟
 
5
ولكنني أنكرت من قبل أن تكون لي أية حاسة أو أي جسم.
 
6
ومع ذلك أجدني أتردد بخصوص ما يمكن أن يترتب عن ذلك
 
7
ألا يتوقف وجودي على الجسم والحواس إلى درجة لا يكون لي وجود بدونها ؟
 
8
ولكنني كنت قد توصلت [في السابق] إلى قناعة بأنه لا يوجد شيء في العالم، لا سماء، ولا أرض، ولا أية روح، ولا أي جسم
 
9
ألم أتوصل في نفس الوقت إلى قناعة بأنني غير موجود ؟
 
10
لا بالتأكيد، كنت موجودا بلا شك، طالما أنني كنت مقتنعا بشيء ما، أو على الأقل طالما فكرت في شيء ما
 
11
ولكن هناك كائن ما مخادع قوي جدا ومحتال جدا يستعمل كل ما لديه من فنون المكر ليخدعني دائما
 
12
إلا أنه مهما خدعني، فلن يكون بوسعه أبدا أن يحول دون أن أكون موجودا طالما أنني على وعي باستمرار بأنني شيء موجود
 
13
 
بحيث أنني، وبعد أن فكرت جيدا، وفحصت كل شيء بعناية، يتوجب علي في النهاية أن أخلص إلى نتيجة، وأثبت بأن القضية: أنا أفكر، أنا موجود، هي قضية صحيحة بالضرورة كلما صرحت بها أو كلما استحضرتها في ذهني"
 
عزيزي القارئ، سأتركك في مواجهة النص وحيدا هذا المرة لتتولى بنفسك مهمة إعادة صياغة القضايا، والكشف عن بنية البرهان. وإذا واجهتك مشكلة، فاتصل عبر موقع "صوفيا"، واكتب تساؤلاتك في الفضاء المخصص لإضافة التعليق ajouter un commentaire والذي يوجد مدخله أسفل الصفحة على اليمين.
Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : دروس
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Dimanche 14 octobre 2007

 

كيف تكتب إنشاء فلسفيا
أحمد أغبال
 
مقدمة
للكتابة الفلسفية خصوصيتها التي تتحد قبل كل شيء بتصورنا للفلسفة. فإذا نظرنا إلى الفلسفة باعتبارها نظرة إلى الحياة ونمط عيش، فإنه لابد أن تكون لكل فرد فلسفته الخاصة التي تتجلى من خلال مجموعة من المعتقدات الأساسية والمفاهيم التي تربط هذه المعتقدات بعضها ببعض وتجعل منها نسقا متكاملا من المعتقدات والتصورات والأنماط السلوكية. ويكون هدف الكتابة الفلسفية في هذه الحالة هو الإفصاح عن عناصر ومكونات الفلسفة الشخصية التي غالبا ما تكون غير واعية إلى هذا الحد أو ذاك.
وهناك فرق بين أن تكون للشخص فلسفته الخاصة أو التلقائية وبين ممارسة الفلسفة كفعل واعي يسعى إلى فحص أفكار ومفاهيم الفلسفة الشخصية ومصادراتها ومعتقداتها الأساسية، وتحليلها تحليلا نقديا من أجل الكشف عن معانيها ودلالاتها والمنطق الذي يبررها. تنطلق الممارسة الفلسفية من التساؤل حول بديهيات الفلسفة الشخصية التي تحدد نظرة الفرد إلى العالم، وتهدف إلى فحص البنية التحتية المنطقية للمواقف الفلسفية لبيان مواطن القوة والضعف فيها، وتقترح أجوبه مدعمة بأدلة منطقية تبين دلالات تلك النظرة وما يترتب عنها على المستويين النظري والعملي، وتفضي الأجوبة بدورها إلى أسئلة جديدة، وتستمر عملية التفكير بهذه الطريقة الجدلية. إن هذا المنطق الجدلي الذي يتجلى من خلال دينامية التساؤل حول مبررات الأفكار والمواقف والجواب المدعم بالأدلة والبراهين هو المنطق الذي يحكم الكتابة الفلسفية. ومعنى ذلك أن الكتابة الفلسفية ليست استعراضا لمجموعة من المعلومات والأفكار فحسب، إنها قبل كل شيء نشاط عقلي يربط الأفكار بعضها ببعض بطريقة منطقية. وإذا كان لابد من أن يفصح الكاتب عن موقفه من القضايا المطروحة، فإن المهم في الأمر ليس هو الموقف في حد ذلته، بل طريقة البرهنة عليه. ومعنى ذلك أن التقييم لا ينصب على فلسفتك ومواقفك الخاصة، بل على طريقتك في ممارسة الفلسفة.
وإذا كانت الفلسفة تفكيرا عقليا منطقيا، فإنها تستعمل آلياتها العقلية المنطقية في كثير من الأحيان لحل المشكلات التي تواجه الإنسان في حياته؛ ولذلك ارتبطت الممارسة الفلسفية - سواء بالنسبة للدارس أو المتعلم - بالبحث عن المشكلات وفهمها وتحديدها وتوظيف المهارات والقدرات العقلية المتوفرة من أجل إيجاد الحلول الناجعة لها. ولهذا يمكن القول: إنه لا وجود لفلسفة بدون مشكلة. فما هي المشكلة الفلسفية ؟
إنها، ببساطة، مشكلة يصعب حلها. فإن سألت أحدا عن مكان وجود محطة القطار مثلا، فسيدلك عليها بسهولة، وتصل إلى غايتك مهما تعددت السبل المؤدية إليها. وإن سئلت عن العدالة ما هي، أو عما إذا كان الإنسان يتمتع بحرية الإرادة والاختيار، فإنك سرعان ما تكتشف أنك أمام مشكلة عويصة حين تقدم جوابا فيواجهك محاورك على طريقة سقراط بسؤال يوقعك في التناقض، وتجد نفسك مضطرا للخروج من المأزق الذي وضعك فيه في محاولة يائسة للدفاع عن موقفك إن كنت تؤمن بأنه الموقف الصحيح، ومن المحتمل أن يواجهك غريمك بالنقد وبالأدلة التي تثبت صحة موقفه، وربما انزعجت من نقده ومن قوة منطقه وانفعلت، وبذلك تكون قد انهزمت.
ولذلك لزم أن تعلم أن أسئلة الحق والجمال والعدالة وحرية الإرادة والخير والشر والحقيقة الخ... هي من المشكلات العويصة التي استغرق الجدال حولها قرونا مديدة، وأخذت في كل عصر شكلا جديدا. وعندما تتعارض الأجوبة عن هذه الأسئلة نكون أمام إشكاليات ومفارقات ومآزق، فنضطر إلى التفكير في مختلف المواقف وتقييمها من خلال فحص الأدلة والبراهين التي تستند عليها.
أنواع الموضوعات الفلسفية
وبناء على ما سبق يمكن التمييز في الموضوعات الفلسفية بين نوعين رئيسيين:
أ‌-          طلب معالجة نص أو قولة: قد يكون الموضوع عبارة عن نص يلخص موقف فيلسوف ما من قضية أو إشكالية ما، أو يستعرض مبدأ من مبادئ فلسفته، أو فرضية من فرضياته أو أطروحاته ، ويطلب منك تحليلها تحليلا نقديا ومناقشتها. وقد يكون عبارة عن جملة أو قولة قصيرة تنطوي على موقف أو مبدأ أو أطروحة، ويطلب منك تحليلها ومناقشتها أيضا، كأن يقال لك مثلا: ماذا يقصد كانط بقوله: "تصرف على نحو تُعامل معه الإنسانية دائما وأبدا، سواء في شخصك أو في شخص غيرك، كغاية، ولا تعامل أحدا البتة كما لو كان مجرد وسيلة فقط" وما رأيك في ذلك ؟ دعنا نواصل الحديث عن أنواع الموضوعات قبل أن نعود إلى النص والقولة لبينان كيفية التعامل معهما ومعالجتهما.
ب‌-      طلب الإجابة عن سؤال مباشر: يجعلك السؤال أمام قضية أو مشكلة فلسفية من غير أن يستحضر موقفا من مواقف الفلاسفة إزاءها؛ ومن أمثلة ذلك، "هل يمكن اعتبار الجنين شخصا ؟"، أو "هل الموت الرحيم مقبول من الناحية الأخلاقية ؟". والفرق الوحيد بين السؤال المباشر والقولة هو أن هذه الأخيرة غالبا ما تعبر عن موقف فيلسوف ما من قضية معينة، لذلك لزم أن يتركز النقاش حول ذلك الموقف، وأما السؤال فيترك الباب مفتوحا أما جميع الاحتمالات الممكنة، ويتعين عليك بالتالي أن تتخذ موقفا وتبرره بالأدلة والبراهين المناسبة، ولذلك لزم أن تجعل من موقفك نقطة تركيز إستراتيجية، وتناقش في ضوئها المواقف المنافسة.  
وعلى الرغم من الاختلافات الشكلية بين مطلب تحليل النص أو القولة ومطلب الإجابة على السؤال المفتوح، فإن جميع المطالب تحيل على مشكلة فلسفية، لأن الممارسة الفلسفية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، مجهود فكري لحل المشكلات، ويقتصر الاختلاف بين مختلف المطالب على طريقة التعامل من المشكلة المطروحة وعلى نقط التركيز الإستراتيجية.
المهارات المطلوبة لمعالجة الموضوعات الفلسفية
تطرح الموضوعات الفلسفية قضايا ومشكلات تطرق لها العديد من الفلاسفة في الماضي والحاضر، ويكون المطلب الأول من المتعلم هو فهم القضايا والمشكلات المطروحة، وإبراز قدرته على التحليل والاستدلال والمناقشة والنقد الخ.. يتعلق الأمر، إذن، بعرض القضية أو المشكلة في لحظة أولى، وتحليلها ومناقشتها في اللحظة الموالية، ويجب أن يتم ذلك كله في إطار وحدة متكاملة ومتناسقة الأجزاء.
1- عرض المشكلة أو القضية
المقصود بعرض المشكلة أو القضية هو إيضاحها من خلال بيان ما يجعلها تفرض نفسها علينا كمشكلة يصعب حلها، وفهم لماذا يُنظر إليها على أنها مشكلة عويصة. ويتطلب تحقيق هذه المهمة توفر القدرة على إعادة صياغة المشكلة بأسلوب شخصي يكشف عن المفارقات التي تثيرها، ذلك لأن فهم القضايا الفلسفية إنما يقاس بمدى قدرة المتعلم على إعادة صياغتها بأسلوبه الشخصي ووضع علامات استفهام حولها. 
ويمثل التحليل لحظة أخرى بالغة الأهمية من لحظات عرض المشكلة. ومعنى التحليل بيان العناصر التي تندرج في تكوين المشكلة، والمفاهيم التي تعبر عنها والعلاقات القائمة بينها والتي تجعل منها وحدة أو كلية. وعندما تفهم المشكلة وتتبين لك مكوناتها وعلاقاتها يكون من السهل ربطها بقضايا أخرى تستدعيها تلك المشكلة بالضرورة، ومن ثمة تستطيع وضعها في سياقها النظري العام. إن دعوة كانط، في قولته السابقة الذكر، إلى الصلاحية الكونية لمبدئه الأخلاقي تثير معها في نفس الوقت مسألة نسبية الأخلاق ، ومسالة ما إذا كان مصدر الأخلاق هو العقل أم الواقع بما ينطوي عليه من تقاليد وأعراف؟ كما أن المسألة المتعلقة بما إذا كان الجنين شخصا تطرح مسألة الهوية الشخصية ومحدداتها، وما إذا كان مفهوم الشخص يتحدد بالمعطى البيولوجي وحده، أم بالمعطى السيكولوجي وحده، أم بهما معا؛ وتثير معها قضايا أخلاقية كمسألة الإجهاض ومدى مشروعيته من الناحية الأخلاقية والقانونية، ومسألة التعديلات الوراثية وما إلى ذلك. وكذلك فإن مسألة حرية الإرادة والاختيار تثير معها مسألة الحتمية ومسألة ما إذا كان للعقاب مبرر أخلاقي.
2- المناقشة
تمثل لحظة المناقشة اللحظة الحاسمة في الكتابة الفلسفية؛ هنا تكون قد انتقلت إلى غاية المطلوب منك، وهو اقتراح جواب أو حل مناسب للمشكلة التي سبق لك أن أوضحتها وحللتها وبينت أبعادها وامتداداتها ووضعتها في سياقها النظري العام، ومناقشة مختلف المواقف إزاءها من خلال ببان مدى أهميتها وحدودها وتقييمها في ضوء موقفك الشخصي أو موقف انحزت إليه لاعتبارات يتعين عليك التصريح بها وتبريرها. ويجب أن تعلم أن كل جواب أو موقف لابد أن يكون مدعما بأدلة وبراهين مقنعة؛ وتعتبر القدرة على الاستدلال والبرهنة إحدى القدرات الأساسية التي لا غنى عنها في الكتابة الفلسفية، وهي التي يوليها المصحح أهمية خاصة في تقييمه لعملك. ولذلك ارتأينا أن نخصص مقالة في المستقبل القريب لمهارة الاستدلال لتكون على علم بمنطقها وتقنياتها
إن منطق الاستدلال هو الذي يضفي الانسجام والتماسك على الإنشاء الفلسفي، وعليه تقوم نصية النص الفلسفي مهما كان نوعه. والملاحظ، انطلاقا من تجربتي كأستاذ في التعليم الثانوي والعالي أن معظم التلاميذ والطلبة يجدون صعوبة كبيرة في الربط بين الأفكار، وغالبا ما يستعملون أدوات الربط اللغوية والمنطقية في غير محلها، فتبدو لهم العبارات والأفكار مترابطة ومنسجمة فيما بينها، وهي في الحقيقة ليست كذلك. وهذه مشكلة حقيقية. والمطلوب هو أن تفضي كل فكرة أو قضية منطقية ما إلى فكرة أو قضية أخرى تلزم عنها منطقيا أو تربطها بها علاقة ما كالعلاقة الجدلية والتقابل، بحيث يشعر القارئ بأنه أمام ديناميكية فكرية تصب في اتجاه واحد وتسير نحو نتيجة يمكن التكهن بها بناء على المقدمات.
وفي إطار هذه الديناميكية الهادفة يكون من المفيد جدا أن تستحضر في ذهنك الانتقادات التي من المحتمل أن تتعرض لها، وترد عليها دفاعا عن موقفك وتناقشها في ضوء الهدف الذي تسعى إليه أو النتيجة التي تحاول إثباتها. ويجب أن ينصب النقد على المصادرات الأساسية التي ينبني عليها الموقف المخالف أو المعارض لموقفك، من جهة، وعلى أسلوب الاستدلال الذي يقوم عليه لبيان ما ينطوي عليه من اختلالات ومواطن ضعف. وكذلك يتعين عليك أن توجه انتباهك إلى المسكوت عنه في الموقف المعارض وإلى ما قد ينطوي عليه ضمنا من عناصر إيديولوجية قد تكون لها انعكاسات سلبية على المستويات الاجتماعية أو السياسية أو الأخلاقية. وهذا ما يسمى بالنقد البناء. ولذلك لا يكفي القول : "إنني أأيد موقف كذا أو كذا" أو "لا اتفق مع الموقف كذا أو كذا" لأن هذا الموقف أو ذاك ينسجم أو لا ينسجم مع مزاجك أو معتقداتك الشخصية. ويجب ألا ينطوي العرض إلا على ما له علاقة بالقضايا وبالتساؤلات التي سبق لك طرحها في المقدمة، والتي لا يجب أن تنساها أو أن تحيد عنها، وهذا مع الأسف هو ما يحصل لمعظم التلاميذ والطلبة، حيث تظل التساؤلات المطروحة معلقة كالديكور.
وفيما يتعلق بالخاتمة، فإنني أفضل ألا تكون مجرد ملخص للعرض، بل يجب أن تكون في اعتقادي مناسبة لتقييم موقفك وبيان قيمته وأهميته الفلسفية.
Par Ahmed AGHBAL
Ecrire un commentaire - Voir les 1 commentaires - Recommander

Recherche

Catégories

Recommander

Créer un blog sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés