Dimanche 30 décembre 2007

 

التحليل الفينومينولوجي لظواهر الوعي والأنا والغير
في فلسفة سارتر
(الجزء الرابع)
3-2. معرفة الغير: الغيرية بوصفها غيابا
يرى سارتر أن الذاتية المنشطرة والمنقسمة على ذاتها، الذاتية التي تكون هي ذاتها وغيرها في نفس الوقت، هي وحدها الكفيلة بإدراك ذاتية الغير تتجلى هذه الفكرة بوضوح في أعمال سارتر المتأخرة، وخاصة في بحوثه حول الخيال، تلك البحوث التي اعتمد فيها على مقاربة جديدة للذاتية تنظر إلى الذات الفاعلة على أنها هي "ذاتها وغبرها" في نفس الوقت. ترتكز هذه المقاربة على مصادرة مفادها أن الشخص الذي تمثله الصورة أو التمثل الذهني هو الغير بالنسبة للشخص الأصلي. وهكذا، فإن ما تمثله الصورة أو التمثل هو الغيرية التي تحل محل الشخص الأصلي عند غيابه. ومعنى ذلك أن الشخص عندما يتوارى عن الأنظار يظل حاضرا في الذهن في شكل تمثل أو صورة خيالية، وهي غيريته؛ إن موضوع الصورة يقدم نفسه لحظة الغياب باعتباره غيرية.
تستمد الغيرية، التي يمثلها الموضوع المتخيل، وجودها عند سارتر من الغياب الفعلي للذات الفاعلة الأصلية. يمكن القول بعبارة أخرى إن ما يحضر في التمثل هو غيرية الشخص الغائب الذي تمثله الصورة المتخيلة. فالصورة المتخيلة تجعل صديقي الغائب كما لو كان حاضرا. إن وجوده في مخيلتي أشبه ما يكون بالحضور؛ وبسبب شكل وجوده المتمثل في شبه الحضور يبدو كما لو كان من غير الممكن الوصول إليه والإحاطة به، كما لو أن الصورة الماثلة في الذهن مسكونة بنوع من العدم. فعندما ترتسم ملامح صديقي الغائب في مخيلتي فإنني لا أحس بشيء آخر غير لاوجوده أو فقدانه، مثلما تشعرني صورة عزيز غال علي برحيله الأبدي بعد موته. وهكذا، فإن هذا النوع من الإدراك الحسي للعدم، للاوجود وللغيرية لا يتحقق إلا في حال الغياب الفعلي للشخص.
يدل هذا التحليل على أن المتخيَّل، في نظر سارتر، هو قبل كل شيء صورة حسية أو تمثل حسي للشخص الغائب الذي يمثل النموذج الذي رسمت الصورة على منواله في الذهن؛ ولا يمكن إنتاج هذه الصورة إلا عندما يغيب الموضوع الأصلي. فعندما نرغب في ملاقاة شخص ما، ويكون من غير الممكن إحضاره شخصيا، نستحضره في شكل صورة من صور الخيال في الذهن. لا نتخيل الأشياء إلا عندما تستحيل رؤيتها بالعين، ونعوض عن ذلك برؤيتها بعيون خفية، وهي الفنطاسيا. وكان هوسرل هو أول من أولى لهذه المسألة عناية خاصة، حيث حاول أن يبين كيف تتبدى الصورة في الوعي، وكيف تجعل الغائب يتجلى في الذهن، وكيف ينعش الذهني ويستعمل مادة الصورة لخلق استيهامات أو فنطاسيا حول الشخص الذي تمثله الصورة. وكان هدفه هو صياغة نظرية لتفسير كيفية اشتغال الخيال انطلاقا من تحليل الصورة الذهنية أو الصورة كما هي في الوعي picture-consciousness، نظرية تشمل الصورة الحسية (الذهنية) التي تشبه الصورة الفوتوغرافية والصورة الداخلية (الفنطاسيا) المجرة من الخواص الحسية والتي تشتغل مثلما تشتغل الصورة الحسية بحكم اشتراكهما في الخصائص البنيوية.
ولكن هوسرل تخلى عن هذا المشروع لسبب بسيط هو أن الصورة اللامادية التي يريد إدراجها في تشكيلة الفنطاسيا تؤدي في اعتقاده إلى الوقوع في نوع من التناقض، لأن الغرض من الصورة أصلا هو أن تعكس الموضوع الأصلي وتجعل حضوره في الذهن محسوسا بشكل من الأشكال، بينما تمثل الفنطاسيا الصورة الخالصة المجردة من الخواص الحسية، ولذلك يتعذر الجمع بينهما ضمن مفهوم واحدة.
وتولى سارتر مهمة استكمال هذا المشروع في محاولة لإثبات أن مفهوم الفنطاسيا يشمل الصورة الذهنية الحسية. إن الصور الذهنية في نظره ليست صورا لامادية، فهي صور ذات مضمون فيزيقي، ولكن طابعها الفيزيقي ليس معطى بشكل مباشر، فهي ليست كالصور الفوتوغرافية التي يمكن رؤيتها ولمسها. وأما ما يجمع بين الصورة الذهنية والصورة الفوتوغرافية فهو أن كليهما يستحضر موضوعا غائبا؛ فعندما أستحضر صورة صديقي في الذهن أجدني في وضعية لا تختلف عن الوضعية التي أكون فيها حين أرى صورته الفوتوغرافية. تؤدي الصورتان، إذن، نفس الوظيفة، مما يدل على أن للصورة الذهنية مضمون حسي وإن كان هذا المضمون يفتقر إلى الكثير من التفاصيل مقارنة بمضمون الصورة الفوتوغرافية. ومن هنا يمكن القول بأن الصورة الذهنية هي صورة حسية، تلك الصورة التي تمثل الغائب أو غيريته، وعليها أسس سارتر نظرية الخيال.
تشترط نظرية الخيال عند سارتر أن يكون الشخص الأصلي غائبا، وأما ما تنتجه المخيلة من صور فلا تستحضر منه سوى غيريته. تتحدد الغيرية، إذن، بالغياب، إنها الغياب الكامل للأصل الحاضر في التمثل. فعندما يحضر صديقي أستغني عن الصور التي تمثله في الغياب، ومن ثمة تتوارى غيريته، لأن الصورة الذهنية تقترن بالغياب ولا تعبر إلا عن الغياب وتدل بالتالي على استحالة الوصول إلى الأصل والإحاطة به. ولكن غياب الأصل ليس غيابا كليا راديكاليا أو مطلقا، إنه غياب مؤقت فحسب؛ والسؤال المطروح الآن هو: هل يساعد هذا النوع من الغياب على معرفة الغيرية طالما أنه ليس غيابا كليا ؟
Par Ahmed AGHBAL
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Jeudi 27 décembre 2007

التحليل الفينومينولوجي لظواهر الوعي والأنا والغير
في فلسفة سارتر
(الجزء الخامس)
3-3. معرفة الغير: الغيرية بوصفها صورة
يبدو أن سارتر لم يكن راضيا تمام الرضا على نظريته في الخيال، تلك النظرية التي ترتكز على مبدأ التمثل الذي يستحضر صورة الغائب في الذهن والذي ترتبط فيه الغيرية بالغياب، ولذلك راح يبحث عن طريقة أخرى لمعالجة صور الخيال وبيان وظائفها، ووجد ضالته في الاستطيقا وفي الفنون غير التمثيلية بالخصوص، لأن الصور التي تخلفها هذه الفنون في الذهن لا تحيل على أي موضوع أصلي غائب. وإذا كان لابد من الحديث عن الأصل، فإنه لا يوجد منفصلا في هذه الحالة عن الصورة الذهنية، فهما متلازمان. ومعنى ذلك أيضا أن الصورة لا تمثل شيئا آخر غير نفسها في مجال الفنون غير التمثيلية، ولا يمكن التمييز فيها بين الأصل والصورة التي تمثله، وإنما تحيل الصورة هنا على نفسها لا على شيء غائب. وإذا كان لابد من أن تنطوي الصورة على الغيرية، فإن الغيرية في هذه الحالة لا تعني الغياب الكامل فحسب، بل الغياب المطلق أو الراديكالي. أيُّ غياب هذا وأية غيرية هي هاته التي أصبحت تسكن الذهن؟ وما طبيعة الموضوع الغائب الذي تحيل عليه الصور التي تنبثق عن تذوق الفنون غير التمثيلية؟
من الواضح أن الصورة الذهنية لا تنشأ عن غياب الموضوع الأصلي في مجال الفنون غير التمثيلية كالموسيقى مثلا، بل تأتي كنتيجة للموقف الذي يتخذه المتلقي من الصورة. إن هذا الموقف هو الذي يُحَوِّلُ الصورة إلى موضوع ينطوي على نوع من الغيرية. إن الموقف الذي نتخذه من الشيء الماثل أمامنا هو الذي يحول ذلك الشيء إلى صورة، تلك الصورة التي لا تمثل شيئا آخر غير نفسها. وأما الموقف الذي من شأنه أن يحول الأشياء إلى صور فهو الموقف الجمالي أو الذوق الجمالي الذي ينفذ إلى كنه الأعمال الفنية ويجعل صورها تفرض وجودها كصور وتؤدي وظيفتها كصور. ويتمثل الموقف الجمالي من الصور الفنية في تجريدها من مضمونها الواقعي، ونزعها من سياقها وتركها معلقة خارج الزمان والمكان لتؤدي وظيفتها بوصفها صورة خالصة. إن الزمان الذي تجري فيه الوقائع الفنية ليس هو نفس الزمان الذي تجري فيه الأحداث التاريخية، إنه زمان لاتاريخي، فهو محدود بحدود الحدث الفني، يبدأ مع بدايته، وينتهي بانتهائه، ولا شيء يأتي بعده.
إن ما يميز الصورة الفنية هو قدرتها على التجلي والتواري في نفس الوقت، تتوارى خلف المظاهر وتنضح بأسرارها، ثم تفصح عن غيرية جوهرية لا علاقة لها بالموضوع الأصلي الغائب. إن الغيرية هنا لا تعني الغياب، لأن الصورة الفنية لا تمثل ما يسمى بالموضوع الأصلي ولا تستحضر الغائب في الذهن، إنها نتاج الموقف الذي اتخذه المتلقي منها، فهي تتشكل في ذهنه يناء على نظرته إليها، إنها ليست تمثلا ذهنيا لموضوع غائب، ولذلك لا تدل الغيرية في هذا السياق على الغياب. فعندما أكون أمام صورة فنية، وأنظر إليها بوصفها موضوعا غير واقعي، أكون أمام الذي يتوارى ويختفي خلف المظاهر، ذلك الطيف الهارب البعيد المنال. إن الغياب الفعلي للموضوع ليس شرطا لحضور الغيرية في الصورة الذهنية، لأن الغيرية لا تتمثل في الغياب. يتبدى الموضوع من خلال الموقف الجمالي منه على أنه موضوع غير واقعي، حيث يتم إدراكه بوصفه غيابا مع أنه ماثل أمامي شديد الحضور.
وخلاصة القول إن غيرية الموضوع المتخيَّل أو الموضوع الذي تمثله الصورة الذهنية لا تكمن في غياب الموضوع الأصلي، ولكنها تنشأ عن الموقف الذي يتخذه المتلقي من الصورة الماثلة أمامه. ومعنى ذلك أيضا أنه بوسعنا أن نتخذ موقفا على المستوى التخييلي من الموضوع الحاضر أمامنا فنحوله إلى صورة وننزع منه واقعيته، ونفسح بذلك المجال لغيريته لكي تشع ببريقها؛ وبوسعنا أن نحول أي شيء، وأي موضوع أصلي إلى صورة لذاتها تتبخر معها واقعيته وتتجلى غيريته هنا والآن ولكن من غير أن تتيح لنا إمكانية الإمساك بها. إن حضور الصورة لا يقضي على الغيرية، ومع ذلك تظل بعيدة المنال، لأن ما يبدو على أنه حاضر هو الغياب، الحاضر هو الغائب المتخفي وراء مظاهره، ذلك الحاضر الذي يتعذر الإمساك به.
تقدم لنا الصور موضوعاتها محجوبة متوارية خلف ستار، تشير إليها بدون أن تكشف عنها. وكثيرا ما تتحول الكائنات في أعيننا إلى صور، ولعل خير مثال على ذلك هو المرأة الجميلة، جمالها يحولها إلى صورة في أعين الناظرين، تبدو لهم في الصورة التي لديها عن نفسها، لأنها ترغب دائما في أن تقدم نفسها وفقا للصورة التي رسمتها في خيالها عن نفسها، وبذلك تخفي نفسها خلف نفسها، وتتواري خلف صورتها، وتحول نفسها إلى شخص آخر، إلى غيرية مطلقة. لا توجد حيث يبدو أنها موجودة، ولا يمكن تحديد موقعها في الزمان والمكان كالإلكترون، فبتعذر الوصول إليها. إنها المرأة التي يتغنى بها الشعراء، ذلك الطيف الهارب المفرغ من واقعيته. حضورها هو حضور صورتها التي تختفي هي خلفها فيتبخر وجودها الواقعي. ولذلك يمكن أن تتحول في كل لحظة إلى كائن لاإنساني يتعامل مع الغير بدون شفقة أو رحمة.
يتبين من خلال تحليل صورة المرأة الجميلة أن الغيرية التي تنطوي عليها الصورة الخيالية هي غيرية مطلقة على اعتبار أنها لا ترتبط فقط بالغياب الكامل للموضوع الأصلي الذي تمثله الصورة، بل لارتباطها بكون الأصل والصورة التي تمثله شيء واحد، أو بكون الصورة هي صورة عن نفسها، أي صورة الصورة، تلك الصورة التي تجعل منها المخيلة موضوعا لها وتكتشف فيها غيرية خالصة، بمعنى غيرية أنا أخر متعالي بالنظر إلى وعي المتأمل. فالشخص الذي نتعامل معه على مستوى الخيال باعتباره صورة عن نفسه لا يمثل الآخر بالنسبة لي لأنه آخر غيري على النحو الذي يكون فيه الأنا متعاليا عن الوعي كما هو مبين في الجزء الأول من هذه الدراسة. ولما كان هذا النوع من الغيرية المعطاة على مستوى الخيال متعاليا فإنه لا يمكن اختزاله إلى موضوع أو موضعته على النحو الذي يتموضع به الأنا أمام الوعي، ولا يمكن التعامل معه بالتالي إلا باعتباره ذاتا أخرى. ولكن، من أين لنا أن نحيط بذاتية أخرى؟ هل هناك من سبيل إلى الإحاطة بالغيرية المتمثلة في الصورة باعتبارها صورة لذاتها؟
لقد تبين لنا في ما سبق أنه من غير الممكن للذات المتجانسة غير المنشطرة أن تحيط بغيرية ذات أخرى. وفي المقابل فإن الذات المتخيِّلة هي ذات منشطرة ما دامت تنطوي في ذاتها على غيريتها، ولا يستبعد بالتالي أن تكون قادرة على الإحاطة بغيرية الذات الأخرى المتمثلة في صورتها عن نفسها. يتجلى انشطار الذات من خلال تجارب الخيال كالأحلام، بما في ذلك أحلام النوم واليقظة، والقراءة وما إلى ذلك. ففي القراءة الروائية مثلا يحصل التماهي مع بطل الرواية، حيث يتحول القارئ أو الشخص الواقعي ولو لبرهة يسيرة على مستوى الخيال إلى بطل غير واقعي. وإنما يحصل هذا التحول عندما ينظر القارئ إلى عالم الرواية الخيالي على أنه عالم واقعي ويعيش فيه ولو لفترة وجيزة، فينظر إلى نفسه على أنه بطل وإن لم يسبق له أن اعتبر نفسه بطلا في الحياة الواقعية. والحقيقة أنه أصبح يعيش للتو في عالمين: عالم الخيال الروائي والعالم الواقعي. ولكي يعيش تجربة الحياة في هاذين العالمين كان عليه أن يقسم نفسه إلى شطرين، إلى ذات واقعية وذات متخيلة، إلى قارئ وبطل، إلى ذات وغيرها. إن انقسام الذات هو الشرط الضروري الذي يمكن القارئ من أن يعيش مغامرة البطل المتخيل من خلال تضييق المسافة بينه وبين البطل إلى حدودها الدنيا الممكنة التي تحافظ على نوع من التمايز بينهما وعلى ثنائية الواقع والمتخيل، ولا تسمح له بالتالي أن يتحول بشكل مطلق إلى بطل.
وكذلك تنقسم الذات في الأحلام إلى متخِّيل ومتخيَّل، وتتقلص المسافة في هذه الحالة بين العالم الواقعي والعالم المتخيل أكثر فأكثر، ويعيش المرء في الحلم تجربة الغير من الداخل حتى إن الذات الواقعية تكاد تنحل في الذات المتخيَّلة، ولكن التماهي بين العالمين لا يتجاوز بعض الحدود، ويظل التمايز بين الذات الواقعية والذات المتخيَّلة قائما ضمن الحدود التي يكون فيها الفرد على وعي بأنه يحلم، وإلا فإن الحلم سينقلب إلى هذيان.
خلاصة
لقد جعل سارتر منذ بداية مساره الفلسفي من القضايا المتعلقة بالأنا والغير والأنا باعتباره غيرا، موضوعه الأثير، وتطور موقفه من القضايا التي تطرحها هذه الموضوعات من خلال النظر إليها من زوايا مختلفة. ففي دراساته المبكرة المتضمنة في كتابه "تعالي الأنا" نظر إلى غيرية الآخر بوصفها عالما مكتفيا بذاته مستغلقا عن الفهم. ولكنه مال إلى تجاوز هذه النظرة تدريجيا تحت تأثير الفلسفة الفينومينولوجية لهوسرل حين بدأ يهتم بدراسة صور الخيال وآليات اشتغالها في مجال الفن بصفة عامة وفي مجال الفنون غير التمثيلية بصفة خاصة. واهتدى إلى حله للإشكالية التي تطرحها معرفة الغير من خلال تحليل الصورة التي تشكلها الصورة عن نفسها والتي تنطوي على غيرية جوهرية لا تفترض غياب الموضوع الأصلي ما دام الأصل هو الصورة نفسها؛ وحاول تسليط الضوء على هذه الغيرية من خلال التمييز في الذات المتخيلة نفسها بين الذات والذات كغيرية بالنظر إلى ذاتها، بين الذات المتخيِّلة والذات المتخيَّلة. ومن هذا المنطلق بدت الغيرية تفصح عن نفسها من خلال ملامح الصورة التي تشكلها الصورة عن نفسها، تمثل صورة الصورة هذه غيرية الذات وتدل على وجود شرخ في الذات يقسمها إلى شطرين وهما الذات وغيريتها أو الذات والذات كغير. وبفضل انقسام الذات المتخيلة على نفسها أصبحت مؤهلة للإحاطة بذاتية الغير والنفاذ إلى العوالم الذاتية للأشخاص الآخرين.   
Par Ahmed AGHBAL
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Vendredi 30 novembre 2007

 

مفهوم الشخص في فلسفة دافيد هيوم
أحمد أغبال
 
استهل دافيد هيوم (1711-1776) David Hume بحثه الفلسفي في مسألة الهوية الشخصية بنقد الأطروحات الفلسفية التي ترتكز على مجموعة من المصادرات التي يعتقد أصحابها بأنها بديهية والتي أجملها في الفقرة التالية من كتابه "رسالة في الطبيعة الإنسانية" A Treatise of Human Nature، يقول:
"هناك بعض الفلاسفة الذين يعتقدون بأننا نكون في كل لحظة على وعي حميمي بما نسميه ذواتنا؛ وبأننا نشعر بوجودها وباستمرارها في الوجود؛ وبأننا متيقنون يقينا لا يحتاج إلى برهان بهويتها الخالصة وبساطتها. ويقولون إن أكثر الأحاسيس قوة وأكثر الانفعالات عنفا إنما تُثَبِّتُ تلك الهوية أكثر، بدل أن تصرفنا عن نظرتنا تلك إليها، وتجعلنا نعتبر تأثيرها في الذات من خلال ما تحدثه من ألم أو لذة. أما وأن نبحث عن مزيد من الأدلة لإثباتها، فإن من شأن ذلك أن يقلل من بداهة وجودها، وذلك لأنه ليس هناك من دليل يمكن أن يشتق من أية واقعة من الوقائع التي نكون واعين بها بشكل حميمي؛ كما أنه لن يكون هناك شيء يمكن معرفته معرفة يقينية إن خامرنا الشك في حقيقة وجودها"
لقد شك دافيد هيوم في بداهة المصادرات التي تنبني عليها الأطروحة القائلة بوجود هوية شخصية ثابتة والتي دافع عنها كل من ديكارت وجون لوك وغيرهما؛ وبشكه في المصادرة التي تقول بأن فكرة "الأنا أفكر" يمكن إدراكها عن طريق الحدس العقلي نظرا لبساطتها ووضوحها وتميزها يكون قد قوض أركان اليقين الديكارتي. إن القول بأن ما يميز الهوية الشخصية هو بساطتها ووضوحها وثباتها عبر الزمن هو قول غير بديهي وغير مقبول في نظر دافيد هيوم، ذلك لأن تشكيل فكرة عن الذات أو الهوية الشخصية يستلزم توفر انطباعات وأحاسيس تكون على درجة من الثبات والاستقرار اللذان يمثلان الشرط الضروري  لبروز هوية شخصية؛ والحال أن جميع أحاسيسنا، كالإحساس بالألم أو اللذة  والشعور بالحزن أو الفرح الخ، مؤقتة وعابرة لا تستقر على قرار؛ يقول بهذا الصدد:
"من جهتي، عندما أتوغل في الأعماق الحميمة لما أسميه إنيتي، لا أعثر فيها سوى على بعض المدركات الخاصة أو شيء آخر، كالحرارة والبرودة، والنور والظل، والحب والكراهية، والألم واللذة؛ ولا يمكنني الإمساك بذاتي في أية لحظة بدون إدراك، كما لا يمكنني أبدا ملاحظة شيء آخر غير الإدراك... وإذا وضعنا بعض الميتافيزيقيين جانبا أمكنني أن أجازف بالقول إن بقية أفراد النوع البشري لا يمثلون سوى مجموعة من المدركات المختلفة والمتعاقبة بسرعة مذهلة، والتي هي دائمة التدفق والحركة"
ولما كانت الانطباعات والأحاسيس غير ثابتة وغير متزامنة فإنه لا يمكن أن تشكل أساسا لقيام الهوية الشخصية الثابتة؛ هذا بالإضافة إلى أن أي انطباع أو إحساس يوجد بمعزل عن غيره، يقول بهذا الصدد:
"[مدركاتنا] مختلفة عن بعضها البعض وقابلة للتمييز بينها وفصل بعضها عن بعض، بحيث يمكن فحص كل انطباع على حده، كما يمكن [لكل انطباع] أن يوجد منفصلا عن غيره، ولا يحتاج لغيره كدعامة لوجوده"
إن تنوع مدركاتنا، واختلاف تجاربنا الشعورية وانفصال بعضها عن بعض، وافتقارها جميعا إلى دعامة ترتكز عليها وتسند إليها مثلما تسند الصفات إلى الكائن، كل ذلك يدل على أن وجودها لا يرتبط بوجود ذات لها ماهية ثابتة مثلما يعتقد ديكارت وجون لوك وغيرهما؛ إن وجود تلك المدركات والانطباعات والأحاسيس لا يحتاج إلى وجود ذات أو جوهر ثابت. وهل بإمكاننا أن نلاحظ وجود هكذا جوهر؟ كل ما يمكن ملاحظته وإدراكه هو تلك الانطباعات والأحاسيس مجردة أو منفصلة عن أي أساس أو وعاء أنطلوجي، وعندما نفكر في أنفسنا لا نعثر فيها عن شيء آخر غير تلك المدركات والأحاسيس، ولا يمكننا تشكيل أية فكرة عن "الأنا" أو الشخص ما دمنا لا نتوفر بشأنه عن "انطباع خاص" يكون مطابقا لفكرة الأنا أو يقدم نفسه كنسخة مطابقة لتلك الفكرة.
ومن هذه الملاحظات استنتج دافيد هيوم تعريفه للشخص، وحدده بأنه مجموع المدركات والمشاعر والإحساسات التي يعقب بعضها بعضا باستمرار وبدون توقف. إن هذه الوقائع الذهنية والنفسية المتدفقة بلا انقطاع هي التي تشكل مضمون الأنا، بحيث يمكن القول إن الأنا أو الشخص هو عبارة عن ديمومة من التجارب الشعورية المتنوعة. لا وجود إذن لهوية ثابتة، كل شيء في تغير مستمر، ولعل ذلك هو ما عبر عنه هيوم بقوله: "إن الهوية التي تنسب إلى العقل البشري ليست سوى وهما من الأوهام". فلما كانت وقائع الحياة الداخلية في حركة وتغير مستمرين فإنه لا يمكن الحديث عن هوية ثابتة؛ وأما الاعتقاد بوجود مثل هذه الهوية فهو خدعة ماكرة من مخادعات العقل البشري: فقد يحصل لدينا الانطباع باستمرارية شيء ما في الوجود عبر الزمن، ولا ننتبه إلى أن ما يوجد في الواقع ليس نفس الشيء بل سلسلة من الأشياء المتعاقبة؛ فعندما يتعرض ذلك الشيء لأي تغير تدريجي يحدث بكميات طفيفة لا ننتبه إلى أننا أمام سلسلة من الأشياء المختلفة التي يعقب بعضها بعضا عبر الزمن، بل نعتقد أننا لازلنا أمام نفس الشيء، ويحصل الاعتقاد بوجود هوية ثابتة. وأما الاعتقاد بوجود هوية شخصية فينشأ عن الانطباع بأن مدركاتنا وأحاسيسنا مترابطة فيما بينها وبأنها تشكل وحدة متكاملة، وهي في الواقع منفصلة عن بعضها البعض لا تربط بينها أية علاقة تجعل منها تركيبة ذات هوية متميزة.
والحقيقة أن ما يرفضه هيوم هو القول بأن الهوية الشخصية تتحدد بوجود جوهر أو ذات أو روح أو "شيء مفكر" مثلما يعتقد ديكارت، وبأنها تظل ثابتة مهما تعرض الجسد والخصائص السيكولوجية للتغير؛ ويعتقد على العكس من ذلك بأن الحياة الداخلية هي عبارة عن مجموعة من التجارب الشعورية المتنوعة التي لا يمكن اختزالها في تركيبة واحدة موحدة، ومعنى ذلك أيضا أنه لا يمكن إدراك الذات في وحدتها؛ إن كل ما يمكن إدراكه هو تلك السلسلة المتعاقبة من الانطباعات والإحساسات والتجارب الشعورية المختلفة. فالأنا في نظره ليست شيئا من الأشياء التي يمكن إدراكها أو الوعي بها، إنها ليست شيئا آخر غير "مجموعة من المدركات"، وهذه المدركات هي قوام الهوية الشخصية عنده.   
ونظرا لأن هيوم رفض نظرية ديكارت التي تقول بأن الأنا جوهر قائم بذاته، ظلت الوقائع الذهنية والعاطفية الوجدانية معلقة بدون فاعل. ولعل ذلك هو ما جعل هيوم يعرف الشخص فيما بعد بأنه الفاعل الذي تصدر عنه الأفعال الذهنية والعاطفية-الوجدانية، ولكنه اكتفى بإرجاع تلك الأفعال إلى نشاط الدماغ، وظل متشبثا بالتعريف الوارد في الفقرة السابقة، والذي نص على أن الشخص هو "مجموعة من المدركات المختلفة" التي تشمل "الأفكار" و"الانطباعات".
Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : دروس
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Jeudi 22 novembre 2007
De l’importance de la ponctuation
Ahmed AGHBAL
 
Y a-t-il une relation entre la ponctuation et le niveau de développement de la structure des réponses aux questions d’examen ? On entend par développement de la structure des réponses le degré de structuration et de cohérence de celles-ci . Les réponses peuvent être non structurées, structurées autour d’un seul élément ou de plusieurs éléments, relationnelle ou abstraite. Le niveau de développement de la structure des réponses reflète le degré de compréhension de la matière enseignée.
Le degré de structuration des réponses a été évalué à l’aide de la taxonomie de Biggs et Collis connue sous le nom : « The Structure of Observed Learning Outcome » (SOLO)(*).
Voici quelques éléments de réponse à la question posée 

Les réponses observées
SOLO-1.JPG  
Relation entre la ponctuation et la
structure des réponses
  SOLO-2.JPG

SOLO-3.JPG
R = 0.43 , P < 0.01
 
 
(*) Biggs, J.B.& Collis, K.F.(1982). Evaluating the quality of learning:  The SOLO taxonomy. Sydney: Academic Press.
 
Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : مقالات
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Vendredi 9 novembre 2007

 

نظريات النمو المعرفي والتعلم لدى فيكوتسكي والفيكوتسكيون الجدد
أحمد أغبال
 مساهمة فيكوتسكي Vygotsky
كان فيكوتسكي من أوائل الباحثين الذين أكدوا على أن تفاعل الطفل مع الآخرين، وخاصة الراشدين منهم، يلعب دورا أساسيا في تشكل البنية العقلية ويحدد طريقة اشتغالها. فهو يرى أن الوظائف العقلية العليا تتشكل تدريجيا عبر سلسلة من التفاعلات الاجتماعية. يرتكز هذا التصور على مصادرة مفادها أن شروط النمو العقلي وآلياته توجد خارج الفرد، في محيطه الاجتماعي-الثقافي. ويتحقق النمو من خلال مشاركة الفرد في مختلف الأنشطة الاجتماعية-الثقافية،ومن خلال استعماله للوسائل والأدوات التي يوفرها له المحيط الثقافي. هذه هي الأطروحة المركزية التي دافع عنها فيكوتسكي. وأما فيما يتعلق بالجانب المنهجي فإنه جعل من النشاط الاجتماعي الوحدة الأساسية في التحليل.
يميز أتباع فيكوتسكي في الأنشطة الاجتماعية بين ثلاث مستويات. هناك المستوى الشكلي الذي يمثل فيها الجانب النسقي المنمط الذي تحكمه مع ذلك بنية دينامية تنمو وتتغير. تكمن وظيفة هذا النسق في توجيه سلوك الفرد. ومن أمثلة ذلك طريقة تنظيم الأنشطة الدراسية. إن تنظيمها على نحو ما يجعل منها أنشطة منمطة تحدد نظرة الفرد إلى التعلم والأداء، وتحدد مقدار ما يرجع إليه من المسؤولية. يمثل هذا المستوى الإطار الاجتماعي-الثقافي الذي يجري فيه الفعل الموجه نحو تحقيق هدف معين، وهذا الفعل هو الذي يمثل المستوى الثاني. يتميز الفعل action عن النشاط activity من حيث أن الأول قد يتغير بينما يظل الثاني ثابتا نسبيا. وقد يستعمل الفعل الواحد كوسيلة لتحقيق أنشطة وأهداف متنوعة. وأما المستوى الثالث فيتعلق بإجرائية الأهداف وترجمتها إلى سلوك ملموس. تتميز الأفعال عن الإجراءات من حيث أن الأفعال ترتبط بالأهداف بينما ترتبط الإجراءات بالشروط التي تتحقق الأهداف في ظلها. يدل مفهوم الأجرأة على كيفية إنجاز الفعل في ظل ملابسات ظرفية معينة. إن ما يميز الإجراءات هو تغيرها تبعا لتغير الظروف التي يسعى الفرد في ظلها إلى تحقيق نفس الهدف.
ينطبق مفهوم النشاط على الفرد كما ينطبق على الجماعة. فهو مفهوم اجتماعي ذو دلالة مزدوجة. تشير دلالته الأولى إلى مضمونه الاجتماعي-الثقافي، ويدل من جهة أخرى على التفاعل الاجتماعي. يمثل النشاط بمعناه الأول السياق الذي يحيط بعملية التفاعل. عندما يشارك الطفل في نشاط اجتماعي معين يحصل بينه وبين الراشدين تفاعل، ويعمل هؤلاء على تنظيم عملية التفاعل وفقا لما تمليه الأنماط الاجتماعية-الثقافية، ويستبطن الطفل مقولاتها فتتشكل بالتالي الوظائف العقلية العليا تدريجيا. «تظهر كل وظيفةمن الوظائف العقليةللطفلخلال نموه الثقافي مرتين: على المستوى الاجتماعي أولا، وعلى مستوى الفرد بعد ذلك. تظهر في البداية بين الأفراد (كمقولة بين-ذاتية interpsychological)، وتظهر بعد ذلك داخل الفرد (كمقولة ذاتية intrapsychological ). ينطبق هذا سويا علىكل منالانتباه الإرادي، والذاكرة المنطقية، وعلى تشكل المفاهيم. إن جميع الوظائف العقلية العليا تنشأ عن التفاعل الفعلي بين الأفراد»Vygotsky, 1978, p. 57) ).تتشكل بنية الطفل العقلية وتنمو من خلال تفاعله مع الراشدين، توجد مقولاتها في المحيط الاجتماعي-الثقافي، وعندما يحتك الطفل بمحيطه يستبطنها وتنتقل إلى الداخل.
أجرى فيكوتسكي تجارب عديدة على الأطفال للتأكد منصحةنظريته.ولعل من أبرز التجارب التي دعمت أطروحته وبينت بوضوح الطبيعة الاجتماعية للتعلم والنمو المعرفي تلك التي تناول فيها موضوع الذاكرة. لقد حاول أن يثبت أن الذاكرة ذات الوسائط mediated memory، التي تعتبرمنجملة الوظائف العقلية العليا وتعد بالتالي أكثر تطورا من الذاكرة الطبيعية التي لا تعتمد على الوسائط الثقافية، تظهر لدى الأطفال الذين تتاح لهم فرص التفاعل مع الراشدين المتمرسين. فخلال عملية التفاعل يكتشفون الوسائل التي تساعدهم على التذكر، فتحصل الطفرة في النمو، وينتقل الطفل من الذاكرة الطبيعية إلى الذاكرة التي تدعمها العناصر الثقافية المكتسبة. ولذلك يتوقع أن تظل قدرة الطفل على التذكر محدودة في غياب التفاعل مع ذوي الخبرة والقدرة العالية. تكتسي هذه الفكرة أهمية بالغة بالنسبة للمربين الذين يتعين عليهم أن يدركوا أن من واجبهم أن يشاطروا المتعلمين خبرتهم ومعارفهم.
لاحظ فيكوتسكي أن الأطفال الذين يجدون صعوبة في إنجاز بعض المهام غالبا ما يتمكنون من إنجازها عندما يشتغلون تحث إشراف الراشدين وتوجيههم. وذهب إلى القول: «إن ما يقوم به الأطفال بمساعدة الآخرين ربما كان أكثر دلالة على مستوى نموهم العقلي مما يمكنهم القيام به بدون أية مساعدة»(Vygotsky, 1978, p. 85)؛ ذلك لأن المهارات التي يوظفها الطفل بطريقة مستقلة هي المهارات التي تشكلت بالفعل في وقت سابق وأصبحت ناضجة، إنها «ثمرة» النمو السابق. تمثل هذه المهارات ما يسميه فيكوتسكي مستوى النمو الفعلي actualdevelopmental level . إن معرفة هذا المستوى لا ينبئنا بالتطور الممكن في المستقبل. وأما المهارات التي لا تتحقق إلا بمساعدة الراشدين أو الزملاء المتفوقين فهي تلك التي ما زالت في طور التشكل أو في طريق الانتقال من الخارج إلى الداخل، حيث يتوقع أن يستبطنها الطفل في المستقبل القريب. إنها "زهرة " النمو التي تبشر بالثمار على حد قوله. تدل المهارات السائرة في الطريق نحو النضج على مستوى النمو الممكن level of potential development. وأما المسافة التي تفصل مستوى النمو الممكن عن مستوى النمو الفعلي فهي التي تمثل ما يسميه فيكوتسكي منطقة النمو القريب المدى zone of proximaldevelopment. هكذا، فإن تقدير قدرات الأطفال لا ينحصر في معرفة ما يستطيعون القيام به في الحاضر، ولكنه يتعدى ذلك إلى ما يمكنهمإنجازهفي المستقبل القريب. إن المهام التي ينجزونها اليوم بمساعدة الغير هي المهام التي سينجزونهافي المستقبلبالاعتماد على أنفسهم.
ألح فيكوتسكي كثيرا على أهمية مفهوم منطقة النمو القريب المدى على المستويين النظري والمنهجي، ودعا الباحثين والمربين إلى استعماله من أجل تشخيص مشكلات التربية والتعليم وتقويم الأداء. تكمن أهميته في كونه يأخذ بعين الاعتبار القدرات والمهارات التي تشكلت ونضجت والقدرات والمهارات التي توجد في طور التشكل. بينما كانت أساليب التقويم واختبارات الذكاء تهتم بالقدرات الناضجة وحدها. لا تخبرنا هذه التقنيات بمدى قدرة الفرد على الاستفادة من التعليم والتلقين وبإمكانيات النمو في المستقبل القريب. أكد فيكوتسكي أن الأطفال الذين يشكلون فئة متجانسة من حيث مستوى نموهم العقلي تكون قدراتهم على التعلم والاستفادة من التلقين متباينة. لذلك تختلف سيرورة التعلم وإيقاعها من فرد إلى آخر. يمكن القول بعبارة أخرى إذا كانت مستويات النمو الفعلي متساوية فإنه غالبا ما تكون مستويات النمو الممكن متفاوتة لدى الأطفال.هناك فروق جوهرية بين الأفراد الذين ينتمون إلى نفس فئة العمر العقلي تعزى إلى متغير نطاق النمو القريب المدى لا تكشف عنها اختبارات الذكاء وأساليب التقويم التي تهتم بقياس القدرات الثابتة والمهارات التي أفرزها التعلم السابق. هذا بالإضافة إلى أنها لا تمكننا من التمييز بين فئة الأطفال من المتعثرين الذين يعانون من صعوبات التعلم  learning-disabled وفئة الأطفال المتخلفين عقليا retarded children. إن القاسم المشترك بين هاتين الفئتين هو انخفاض مستوى الأداء الفعلي. وما يميز فئة المتعثرين عن فئة المتخلفين عقليا هو أنهم يمتلكون قدرة أكبر على الاستفادة من التلقين. إن أساليب التقويم الستاتيكية لا تكشف لنا عن مواقع الفروق بين الأفراد.
كان من نتائج انتشار أساليب التقويم التي تركز على القدرات الثابتة أن ساد الاعتقاد بأن النضج عامل أساسي في التعلم، وأنه يجب مراعاة مستوى نمو الأفراد ونضجهم في بناء المنهاج الدراسي. وقف فيكوتسكي ضد هذا الاعتقاد الذي أصبح رغم تحذيره القاعدة العريضة لوضع المناهج والبرامج الدراسية، وبين مخاطره بالنسبة لتعليم الأطفال المتخلفين عقليا والأطفال العاديين على حد سواء. لقد كان الاعتقاد السائد هو أن الأطفال المتخلفين عقليا ليسوا مؤهلين للتفكير المجرد. يترتب عن هذا الاعتقاد اعتقاد آخر وهو أن أنسب المناهج لتعليمهم هي المناهج الحسية-الحركية. يرى فيكوتسكي أن هذه المناهج لا تساعد الأطفال على تجاوز إعاقتهم الفطرية، ولكنها تكرسها وتعززها، وتقضي على إرهاصات التفكير المجرد التي نلمسها لديهم، من خلال تعويدهم على التفكير الحسي-الحركي وحده. ويعتقد أنه من الممكن أن يتجاوزوا مرحلة التفكير الحسي-الحركي عن طريق المساعدة والدعم والتلقين. وأما التعليم الذي يخضع له الأطفال الأسوياء فهو تعليم متقهقر يتناسب مع القدرات والمهارات التي أفرزها النمو السابق، ولا يواكب السيرورة النمائية، ولا يعدهم للانتقال إلى المراحل النمائية الموالية. « وهكذا، فإن مفهوم نطاق النمو القريب المدى يمكننا من اقتراح وصفة جديدة وهي أن "التعلم الجيد" هو ذلك الذي يستبق النمو»Vygotsky 1978. P. 89)).
وخلاصة القول إن النمو لا يحصل بطريقة تلقائية كما يعتقد بياجي، ولكنه يتوقف إلى حد كبير على الفرص المتاحة للفرد للتفاعل مع الآخرين والاستفادة من خبراتهم ودعمهم. لا يفصل فيكوتسكي بين النمو العقلي والتعلم المدرسي، فهما يتبادلان التأثير قيما بينهما. فكما أن مستوى النمو العقلي يحدد القدرة على التعلم كذلك يساعد التعلم على النمو. إن عملية التعلم المنفتحة بالضرورة على العالم الخارجي تتحول، من خلال استبطان الفرد للمقولات التي تبلورت في المحيط، إلى عملية من العمليات النمائية الداخلية. فهو وإن كان يميز بين عملية التعلم وعملية النمو العقلي إلا أنه يؤكد على وحدتهما وعلى إمكانية تحول إحداهما إلى الأخرى. إن المهارات التي يكتسبها الفرد من خلال تفاعله مع الآخرين تدمج في بنية المهارات التي تشكلت من قبل وتنشأ عن ذلك بنية عقلية جديدة أكثر تعقيدا. كما أن البنية الجديدة تساعده على اكتساب مهارات أكثر تطورا. هناك إذن علاقة جدلية بين النمو والتعلم.
على الرغم من خصوبة هذه النظرية فإن نظرية بياجي حجبتها لمدة طويلة لأسباب أيديولوجية، خاصة  وأن فيكوتسكي بنى نظريته على بعض المبادئ العامة التي استمدها من الفلسفة الماركسية. ولم يشرع الباحثون الغربيون في جني ثمار هذه النظرية من الناحية الأكاديمية والعملية إلا في العقدين الأخيرين من القـرن العشريـن. وظهرلـه في الغربأتباع كثيرون  يطلق عليهم اسم "الفيكوتسكيون الجدد" neo-Vygotskians، واعتبر واحدا من المؤسسين الأوائل لعلم النفس الاجتماعي المعرفي الذي بدأ يفرض نفسه بقوة في الساحة العلمية خلال السنين الأخيرة.
Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : مقالات
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander

Recherche

Catégories

Recommander

Créer un blog sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés