Vendredi 3 juillet 2009

Belgo-Marocains des deux rives:
Une identité multiple en évolution


Étude quantitative et qualitative visant à mieux connaître les communautés marocaines vivant en Belgique (2009)

Par Ahmed AGHBAL
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Dimanche 17 mai 2009

مبادئ الفلسفة السياسية لدى باروخ سبينوزا

أحمد أغبال

تقوم الفلسفة السياسية لدى باروخ سبينوزا على مصادرة أساسية مفادها أن الأنظمة السياسية ليست أنظمة طبيعية بل هي أنظمة مبتكرة، صنعها الإنسان من أجل تحقيق بعض الأهداف. ويرتبط عنده الدافع إلى تأسيسها بالطبيعة الإنسانية. تتحدد فلسفته السياسية، إذن، بتصوره للطبيعة الإنسانية، منها استنبط مبادئها وغاياتها، وعليها أسس مفهومه لطبيعة النظام السياسي الصالح للبشر. ولذلك لزم البدء بالتعريف بتصور سبينوزا للطبيعة الإنسانية.

1.     تصور سبينوزا للطبيعة الإنسانية

سار سبينوزا على نهج هوبز في بناء فلسفته السياسية. كلاهما انطلق من فكرة أن الأهداف والغايات السياسية تستنبط من الطبيعة الإنسانية كما هي في الواقع لا كما ينبغي أن تكون. تمثل الطبيعة الإنسانية في نظر سبينوزا كيانا لا يختلف عن الكائنات الطبيعية الأخرى من حيث أنها تخضع جميعها لقوانين طبيعية. فكما أن بنيتنا العضوية والفيزيولوجية تخضع لهذه القوانين كذلك تخضع لها بنيتنا النفسية بما تنطوي عليه من انفعالات ومشاعر وأهواء ورغبات. ولذلك لزم التعامل مع الطبيعة الإنسانية ودراستها مثلما يدرس أي كائن طبيعي آخر. وأما المبدأ الأساسي الذي يتحكم في الكائنات الإنسانية فهو مبدأ الكاناتوس canatus principal أو قانون الشهوة الذي يمثل الدافع الحيوي وإرادة الحياة، وهو ما عبر عنه سبينوزا بقوله: "كل شيء يكافح من أجل الحفاظ على البقاء بقدر المستطاع وبقدر ما له من قوة". يقوم هذا المبدأ مقام المصادرة الأساسية التي تنبني عليها الفلسفة السياسية لدى باروخ سبينوزا. يقول بهذا الصدد:

"ولما كان العقل لا يرغب في ما ليس موافقا للطبيعة، فإنه بقضي بأن يحب كل امرئ نفسه، وأن يسعى لما فيه مصلحته وإلى ما هو مفيد له بالفعل؛ ولا ويرغب إلا بما يفضي بالإنسان إلى مزيد من الكمال؛ ويقضي، بكل تأكيد، بأن يكافح كل فرد من أجل الحفاظ على وجوده بقدر المستطاع. والواقع، أن هذا الأـمر ضروري وبديهي مثلما هو بديهي أن الكل أكبر من الجزء"[1]

إن قانون الشهوة هو ما يجعل الإنسان كائنا أنانيا بامتياز. هذا هو تصور سبينوزا للإنسان: إنه أناني بطبعه.  تلك بديهية لا تحتاج إلى برهان في نظره. إنها عبارة عن مبدإ قبلي يفرض نفسه بوصفه حقيقة متعالية عن ظروف الزمان والمكان. ومما يلزم عن هذا المبدإ أن يتصرف كل امرئ وفقا لما يرى فيه مصلحته الخاصة.

وبحكم طبيعته ونوازعه الشهوانية أصبح الإنسان مؤهلا – بالفطرة -  لأن يكون لغيره عدوا. وإذا تصورناه وهو في حالة الطبيعة، حيث لا وجود للدولة والقانون، فإن وضعه لا بد أن يكون محكوما بالصراع. يصف سبيونوزا الإنسان وهو في حالة الطبيعة بقوله:

"..يتحدد الحق الطبيعي لكل إنسان حسب الرغبة والقدرة، لا حسب العقل السليم. وليس الجميع مؤهلا طبيعيا للتصرف وفقا لقوانين العقل السليم وقواعده، بل إن جميع الناس ولدوا، على العكس من ذلك، في حالة من الجهل المطبق، وقبل أن يتعلموا أسلوب الحياة الصحيح ويكتسبوا العادات الفاضلة، يكون الجزء الأكبر من حياتهم قد انقضى، حتى وإن كانوا على قدر كبير من التربية. إلا أنهم يكونون في غضون ذلك مضطرين للعيش والحفاظ على وجودهم، بقدر المستطاع، بدافع الرغبة الشهوانية التي تكون مستقلة غير تابعة لغيرها[=متحررة من ضوابط العقل]. لم تمنحهم الطبيعة موجها آخر سواه، فحرمتهم من القدرة على العيش طبقا للعقل السليم. ولذلك لم يكونوا ملزمين بأن يعيشوا وفقا لأوامر العقل المتنور مثلما أن القط ليس مضطرا لأن يعيش طبقا للقوانين المتحكمة في طبيعة الأسد. ومن ثمة، فإن كل ما يعتقد الفرد الواقع تحت سيطرة الطبيعة بأنه نافع له، وسواء أكان منقادا في ذلك بالعقل السليم أو مدفوعا بقوة انفعالاته، يكون له الحق المطلق في طلبه والاستيلاء عليه بأنجع الطرق، وسواء أكان ذلك بواسطة القوة أو التحايل أو التوسل أو أية وسيلة أخرى. وبالتالي، فإنه لابد أن ينظر إلى كل من يَحُولُ دون تحقيق هدفه على أنه عدو له"[2]  

في حالة الطبيعة يعيش الإنسان وفقا لمبدإ الشهوة، ويكون شغله الشاغل هو تحقيق مصلحته بكل الوسائل المتوفرة ولو على حساب الآخرين. ولم يكن بوسعه أن يتصرف في ضوء العقل السليم، لأن معظم تصوراته للرغبة والمنفعة توجهها الغرائز الشهوانية والانفعالات التي لا تهتم بما وراء اللحظة الراهنة والموضوع المباشر. والسبب في ذلك أن الإنسان جزء من الطبيعة، واقع تحت قوانينها. ومن قوانينها الأساسية أن لكل موجود حق مطلق على ما يقع في نطلق قدرته، وأن كل شيء يحاول الحفاظ على وجوده والبقاء على وضعه بقدر ما له من قوة من غير أن يراعي في ذلك أي شيء آخر. هذا هو حال الإنسان في الطبيعة، لا يملك سوى أن يسلك وفقا لما تمليه عليه طبيعته، مثله في ذلك مثل سائر الموجودات الطبيعية، ولا فرق في ذلك بين الأذكياء والأغبياء من الناس. ولذلك، فإن كل من يتصرف وفقا لقوانين الطبيعة إنما يمارس حقه الطبيعي المطلق. وإذا كان ذكيا فإنه يستخدم قدراته العقلية وفقا للمنطق الطبيعي، وبذلك يظل خاضعا لقانون الشهوة دون غيره، يسعى إلى السيطرة على كل ما يقع تحت قدرته، و"تمتد حقوق الفرد إلى الحد الأمثل الذي ترسمه القدرة المشروطة [بالمتغيرات الطبيعية]"

ولما كانت حالة الطبيعة خالية من السلطة السياسة، وحيث أن الدفاع عن النفس حق طبيعي، فإن هذا الحق مشروط بالقدرة على استعمال القوة. لا حق في الدفاع عن النفس، إذن، إلا لمن له قدرة على ذلك. يمكن القول بعبارة أخرى: إنه بانتفاء القدرة ينتفي الحق.

وبسبب جهل الإنسان بقوانين العقل انعدمت فيه الروح الخلقية. ليس في حالة الطبيعة، إذن، شيء من قبيل السلطة السياسية والتشريعات الوضعية أو الإلهية والأخلاق. يقول سبينوزا:

"من اللازم وصف حالة الطبيعة على أنها حالة لا وجود فيها لا للدين ولا للقانون، وبالتالي لا وجود فيها للخطيئة والذنب"

ليس في الطبيعة معيار للتمييز بين الخير والشر ولا بين العدل والجور. وبعبارة واحدة، لا وجود فيها لمعاني الأخلاق. وهذا رأي ينسجم تمام الانسجام مع تعاليم بولس الرسول الذي نسب إليه سبينوزا قوله بأنه لا وجود للخطيئة قبل الشريعة، وبهذا المعنى يمكن فهم الآية الكريمة:"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً". يقول سبينوزا:

"إن الحق والقانون الطبيعيين اللذان ولد الإنسان في أحضانهما وعاش في كنفهما لا يٌحَرِّمَانِ إلا الأشياء التي لا رغبة لأي أحد أو التي لا يستطيع أحد نيلها: فهما لا يٌحَرِّمَانِ العنف، ولا الحقد، ولا الغضب، ولا الخداع، ولا أية وسيلة من الوسائل التي توحي بها الرغبة الشهوانية"

ولذلك كانت القدرة أو القوة هي المعيار الوحيد للحق. في حالة الطبيعة لا يكون البقاء إلا للأقوى. ولكن القوة لا تدوم، فالقوي اليوم ضعيف غدا. ومع خوار القوة تتعطل آليات الكاناتوس وتتقلص حدود الحق تدريجيا إلى أن تصل إلى المستوى الذي يصبح معه الحفاظ على البقاء أمرا مستحيلا. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى الاسترشاد بالعقل باعتباره الوسيلة الكفيلة بضمان الأمن والبقاء للجميع.  

إن الاسترشاد بالعقل يعني الارتقاء فوق الأهواء الشخصية، وتجاوز نزعة التمركز حول الذات. ذلك هو السبيل الوحيد لإقامة علاقات التعاون بين الناس. يخبرنا العقل بأن التعاون المتبادل هو الكفيل بتوفير الأمن على الحياة والممتلكات لكل فرد. فإذا كان العقل يحث الأفراد على إقامة روابط اجتماعية فيما بينهم على أساس من التعاون المتبادل، فإن الغرائز الشهوانية تدفع كل فرد إلى التمركز حول الذات، فيصير أنانيا. وإذا تغلبت الغرائز على العقل، أدى ذلك إلى نشوب صراعات طاحنة بين الأفراد.

نخلص من ذلك كله إلى القضية التالية: الشهوة تفرق الشمل والعقل يجمعه. إن للعقل، إذن، دلالة اجتماعية من حيث أنه يمثل الشرط الضروري لتأسيس المجتمع وتقوية الروابط الاجتماعية. وأما الرغبة الشهوانية والانفعالات فإنه من شأنها أن تقوض دعائم الاجتماع والمعاشرة والتآلف. يقول سبينوزا بهذا الصدد:

"إنه طالما عانى الناس من الغضب والحسد أو من أي انفعال ينشأ عنه الحقد، يتشتت شملهم ويعارض بعضهم بعضا. وبذلك يكون الخوف منهم أعظم، لاسيما وأنهم أكثر قوة واحتيالا ودهاء من الحيوانات الأخرى. ولما كان الناس أكثر عرضة لهذه الانفعالات، فإنه من الطبيعي أن يكون بعضهم لبعض عدوا"

الانفعالات، إذن، هي مصدر الصراع المدمر للوجود البشري. إن الصراع، بطبيعته المدمرة، مناقض لمبدإ الكاناتوس الذي تكمن وظيفته في الحفاظ على البقاء. وأما يجعل الإنسان قادرا على تجنب الخصومات والنزاع فهو الاسترشاد بالعقل. يكتسي العقل هنا دلالة أكسيولوجية؛ إنه القوة الدافعة للفرد نحو الآخرين، يدفعه إلى إقامة علاقات إيجابية معهم، ويضفي طابعا أخلاقيا على سلوكه إزاءهم، ويضمن، بالتالي، الاستقرار والأمن للمجتمع.

2. أهمية السلطة السياسية ودورها في حياة الإنسان

لا يشك سبينوزا في أن الاسترشاد بالعقل هو السبيل الأمثل للخلاص، ما دام كل فرد يرغب في التخلص من القلق الناتج عن العيش في مناخ يزخر بمشاعر الحقد والكراهية والصراع؛ هذا فضلا عن أن انعدام التعاون بين الناس يجبرهم على العيش في فقر مدقع وخوف رهيب. واهتدى الناس، من خلال استرشادهم بالعقل، إلى ضرورة بناء مجتمع على أساس نوع من التعاقد يفوض فيه كل فرد حقوقه الطبيعية للجماعة. يقول سبينوزا:

"يتبين لنا بوضوح تام أنه من اللازم أن يتوصل الناس إلى اتفاق للعيش مع بعضهم البعض في أمان وعلى أفضل نحو ممكن إن هم أرادوا التمتع جميعهم بالحقوق التي تعود إليهم بشكل طبيعي بوصفهم أفرادا؛ وينبغي ألا تكون حياتهم مشروطة بقوة ورغبات الأفراد، بل ينبغي أن تكون مشروطة بقوة وإرادة الجماعة. ولا يمكنهم بلوغ هذا الهدف إذا كانت الرغبة الشهوانية هي موجههم الوحيد (لأن قوانين الرغبة تدفع كل فرد للسير في اتجاه مختلف)؛ ويجب عليهم، بالتالي، أن يتخذوا قرارا صارما بإصدار تشريع يقضي بأن يخضعوا لتوجيهات العقل في كل شيء (والذي لا يجرؤ أحد على مخالفته صراحة حتى لا ينظر إليه على أنه مجنون أخرق)، وأن يعملوا على كبح جموح رغباتهم إذا كانت ستلحق الأذى بالآخرين، ومعاملة الجميع بمثل ما يحبون أن يعاملوا به، وصيانة حقوق الجار كما لو كانت حقوقهم الخاصة"    

والمراد بالقول هو أن الإنسان بحكم وقوعه تحت قانون الكاناتوس، وميله الفطري إلى تحقيق ما يرى فيه مصلحته، لا يمكنه أن يعيش في مأمن من المخاطر التي تهدد وجوده  بدون عقد اجتماعي يتنازل فيه كل فرد عن حقه الطبيعي على كل شيء؛ وهي فكرة نجدها أيضا لدى طوماس هوبز.

وللبرهنة على هذه الأطروحة، ساق سبينوزا تفسيرا سيكولوجيا لسلوك الإنسان يبين من خلاله الآليات أو القوانين الطبيعية التي تحكمت في اختيار السلطة السياسية كحل لمسألة الحفاظ على البقاء. وانطلق في تفسيره من المصادرات التالية التي تمثل القوانين المتضمنة على نحو أبدي في الطبيعة الإنسانية:

-    لا أحد يمكنه أن يفوت على نفسه فرصة يتوقع أن يجني منها نفعا عظيما إلا أَنْ يَتَرَجَّحَ عنده أحد أمرين: إما الحصول على نفع أعظم إذا لزم أن يختار بين بديلين، وإما الخوف من أن يلحقه منه أذى عظيم وخاصة إذا كان الأذى أعظم من النفع.

-    لا أحد يمكنه أن يتحمل أي نوع من الأذى إلا أَنْ يَتَرَجَّحَ عنده أحد أمرين: إما أن تحمل هذا الأذى يجنبه الوقوع في مشكلة يكون أذاها أعظم، وإما أن يتوقع الحصول بعد ما تعرض له من الأذى على خير عظيم.

-    وعن هاتين المصادرتين تنشأ مصادرة ثالثة مفادها أنه إذا كان على الفرد أن يختار بين أمرين نافعين، فإنه سيختار أكثرهما نفعا، وإذا كان عليه أن يختار بين شيئين كلاهما مضر بمصلحته، فإنه سيختار أهون الضررين.

وإذا نظرنا إلى هذه المصادرات في ضوء مبدإ الكاناتوس أو الشهوة تبين لنا أن الإنسان، بحكم كونه عقلانيا، يميل إلى تقدير قيمة الأشياء، بما تنطوي عليه من خير أو شر، في ضوء تقديره للإمكانيات التي توفرها له للحفاظ على وجوده. ومن هذه المقدمات (الأكسيومات) استنبط سبينوزا القضية التالية: إن الإنسان، بسبب حصول الوعي له بمصلحته العليا، اختار التخلي عن حالة الطبيعة والتنازل عن حقه الطبيعي على كل شيء وقبول سلطة الدولة حين رأى فيها خيرا أعظم أو شرا أقل مما وجده في حالة الطبيعة، وخاصة فيما يتعلق بقضايا الحفاظ على البقاء والأمن والرقي والرفاهية. والحقيقة أنه لولا خوف الإنسان من شر أعظم أو طمعه في خير أكبر لما قبل التنازل عن حقوقه الطبيعية والتزام بالعقد الذي أبرمه مع بني جنسه. ومن هنا يتبين أن قيمة العقد الاجتماعي تتحدد بمقدار ما يجلب من المنفعة ويدرأ من الضرر. يقول سبينوزا:

"..إن المنفعة وحدها هي التي تجعل العقد صالحا، وإذا انتفت يصبح فارغا ولاغيا. ومن ثمة، يكون من الغباء أن يُطَالَبَ المرء بالوفاء بالعهد الذي قطعه معنا إلى الأبد ما لم نُبين له أن خرق العهد الذي قطعناه على أنفسنا سيجلب للناكث من الضرر أكثر مما يجلب له من الخير. وسيكون لهذا الاعتبار الوزن الأكبر في تأسيس الدولة"

وإذا كان الإنسان قد فضل العيش في كنف الدولة بدل العيش في حالة الطبيعة، فليس لأن الدولة خير في ذاتها، بل لأنها تمثل أهون الضررين. إنها شر لا بد منه؛ وهذا الشر يمكن التحكم فيه، لأن الدولة من صنع الإنسان وليست قدرا محتوما. وأما الشر الملازم لحالة الطبيعة، فلا سيطرة للإنسان عليه. نفهم الآن لماذا فضلت البشرية الانتقال من حالة الطبيعة، التي يخضع فيها السلوك البشري لحتمية القوى الفطرية العمياء والغرائز الشهوانية، إلى حالة المدنية التي تنظمها القوانين التي شرعها العقل.

لننتقل الآن إلى مناقشة تصور سبينوزا لكيفية الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة المدنية والدولة. سبقت الإشارة إلى أن مفهوم الحق لدى هذا الفيلسوف مرادف لمفهوم القوة أو القدرة على دفع المعتدي والدفاع عن النفس. فعندما قال بأن لكل فرد الحق في الحياة والحرية والملكية، فإنما يقصد بذلك أنه يمتلك القدرة على الحفاظ على حياته وحريته وملكيته ودَفْعِ المعتدي على حقوقه، وأن الدفاع عن النفس ومعاقبة المعتدي هو حق طبيعي. إذا كان الأمر كذلك، فإنه يحق لنا أن نتساءل عما إذا كان التعاقد يستلزم تجريد الناس من هذا الحق، وعما إذا كان من الممكن تفويض الحق الطبيعي إلى طرف آخر.

المسألة بالنسبة لهوبز محسومة. وأما فيما يتعلق بسبينوزا، فإن موقفه منها يشوبه نوع من اللبس والغموض. فهو يرى، من جهة، أنه "يجب على كل فرد أن يفوض للمجتمع كل ما له من قدرة، بحيث يكون لهذا الأخير الحق الطبيعي المطلق على كل شيء"- كما ورد في الفصل السادس عشر من رسالته في اللاهوت والسياسة -   ويذهب، من جهة أخرى، في الفصل السابع عشر من نفس المؤلف إلى أنه "لا يستطيع أي فرد أن يفوض قدرته، وبالتالي حقوقه، تفويضا تاما لغيره، وإلا فإنه سيكف بعدئذ عن أن يكون إنسانا، كما أنه لا يمكن أن توجد سلطة لها من السيطرة ما يجعلها قادرة على تحقيق أية رغبة ممكنة". وخلص إلى القول: "يجب التسليم، إذن، بأن كل فرد يحتفظ لنفسه بجزء من حقه، ويضعه تحت تصرفه، في منأى عن [تأثير] أي شخص آخر". ومن الحقوق الطبيعية والقدرات التي لا يمكن لأي فرد تفويضها لغيره بأي حال من الأحوال، حقه أو قدرته على التفكير الحر في كل شيء، لأن عقل الإنسان لا يمكن أن يقع تحت سيطرة أي إنسان آخر" (الفصل العشرون). ولا يمكن للدولة أن تخضع العقول لمشيئتها إلا بالعنف، وتكون أشد عنفا عندما تقف ضد حرية التفكير، وقد تذهب في ذلك إلى حد إصدار أحكام بالإعدام على من يخالفونها الرأي، ولكن هذه الأحكام تظل مخالفة للعقل السليم الذي هو مبدأ تأسيس الدولة ذاتها. وهذا ما جعل سبينوزا ينكر على الدولة حقها المطلق في ذلك.    

وإذا كان الحق في التفكير الحر لا يُفَوَّضُ، فما المانع من سحب هذا الحكم على الحقوق الطبيعية الأخرى ؟ وإذا كان الحق عند سبينوزا مرادفا لمفهوم القدرة، فهل يمكن تفويض القدرات للغير؟. وإذا ثبت أنه من غير الممكن ولا من الجائز تفويض القدرات للغير، فما الذي يجب تفويضه ؟ يمكن القول في ضوء نتائج التحليل التي توصل إليها سبينوزا في الفصل العشرين من رسالته في اللاهوت والسياسة إن ما يمكن للأفراد تفويضه للدولة التي تمثل إرادة الجماعة هي سلطة القرار في كل ما يتعلق بكيفية استعمال القدرات وتقييم نتائجها لتحديد ما يصلح منها للمجتمع وما لا يصلح له. وأما تفويض القدرات فهو بمثابة سلب مقومات الهوية الإنسانية للأفراد، وتحويلهم إلى مجرد آلات أو بهائم. يقول بالحرف الواحد:

"لا، ليس القصد من إقامة الحكومة هو تحويل الناس من كونهم كائنات عاقلة إلى بهائم أو دمى متحركة، بل المقصود منها هو تمكينهم من تنمية قدراتهم العقلية والجسدية في أمن"

ويتجلى موقفه بوضوح على المستوى العملي بخصوص ما يمكن تفويضه في الخطاب الذي توجه به إلى حكومة بلاده في ختام الفصل المذكور. يقول:

"وهكذا أكون قد أنجزت المهمة التي اعتزمت معالجتها في هذه الرسالة. ولم يبق لي سوى التنبيه إلى أنني لم أكتب شيئا مما لم يكن في نيتي أن أتقدم به لمن يتولون مقاليد الحكم في بلدي ليقوما بفحصه والحكم عليه، وأنني على استعداد للتراجع عن كل ما سيثبت لهم أنه مخالف للقوانين أو ضار بالمصلحة العامة. إنني أدرك أنني بشر، وأنني معرض بوصفي إنسان للخطأ. لقد اتخذت كل الاحتياطات اللازمة لتجنب الوقوع في الزلل، وحرصت على البقاء في انسجام تام مع قوانين بلدي بروح الولاء والأخلاق"

هذه الفقرة الختامية ترديد لصدى أقوال وردت في مقدمة الكتاب.

 

       



[1] Benedict de Spinoza. The ethics. Translated from the latin R.H.M. by Elwes. Web edition published by

  eBooks@Adelaide.  Part  IV. http://ebooks.adelaide.edu.au/s/spinoza/benedict/ethics/

كل الاستشهادات مقتطفة  من هذا الكتاب باستثناء ما تمت الإشارة إليه 

[2] Benedict de Spinoza. َ A theologico-political treatise. Translated from the latin R.H.M. by Elwes. Web edition  

  published by  eBooks@Adelaide, The University of Adelaide LibraryUniversity of Adelaide South Australia  

 50052007. 2007. http://ebooks.adelaide.edu.au/s/spinoza/benedict/treatise/

كل الاستشهادات التي سترد أسفله مقتطفة  من هذا الكتاب باستثناء ما تمت الإشارة إليه 

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : دروس
Ecrire un commentaire - Voir les 1 commentaires - Recommander
Jeudi 16 avril 2009

نظرية العقد الاجتماعي لدى طوماس هوبز

أحمد أغبال

طوماس هوبز (1588-1679) فيلسوف إنجليزي عاش في القرن السابع عشر، في فترة تميزت بالاضطرابات والقلاقل، عانى خلالها المجتمع الإنجليزي من ويلات الحرب الأهلية. تابع هوبز مجريات الأحداث في بلده باهتمام كبير حتى أنه جعل من مسألة السلطة السياسية شغله الشاغل، فانكب على دراستها لبيان أسباب الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي. ولتحقيق مشروعه الفلسفي، سعى هوبز إلى الكشف عن المبادئ العقلانية التي تنبني عليها السياسة المدنية الكفيلة بتعطيل مفعول العوامل الداخلية التي تتسبب في تفكك النظام السياسي وانهياره. وانطلق في ذلك من فكرة مفادها أن مصائب الحكم المستبد "أقل وطأة على النفس من البؤس والويلات التي تنجم عن الحرب الأهلية". ومعنى ذلك أن أي نظام حكم مهما كان نوعه أفضل من الحرب الأهلية. وإلى جانب هذه المصادرة الأساسية وضع هوبز مصادرة أخرى مفادها أن جميع أنظمة الحكم معرضة للاضطراب والوقوع في الحرب الأهلية والانحلال باستثناء نظام الحكم المطلق. وبما أن الناس عقلانيون ويميلون بالفطرة إلى طلب الأمن من أجل الحفاظ على البقاء، فإنهم سيفضلون العيش في كنف نظام سياسي مطلق يضمن لهم الأمن والاستقرار ويجتبهم الوقوع في الحرب الأهلية. وهكذا، فإن رغبة الناس في الاستقرار والأمن يفرض عليهم عدم القيام بما من شأنه أن ينال من هيبة الدولة ويضعف قوتها، ويلزمهم بتقديم الولاء اللامشروط للحاكم مهما كان مستبدا، وأن يطيعوه ولا يتمردوا عليه أبدا مهما كانت الظروف. ومن هنا يتبين أن ما حاول هوبز إثباته وتأكيده هي الأطروحة التي تقول بوجود علاقة تأثير متبادل بين الامتثال للسلطة السياسية والسلم. يمكن صياغة هذه الأطروحة بعبارة أخرى: إنه إذا أقر الناس بنظام حكم ما وامتثلوا لأمر الحاكم، فإن ولاءهم له يضمن لهم السلم، وإذا تحقق السلم تقوى نظام الحكم وزادت درجة امتثال الناس للحاكم.

ولإثبات هذه الأطروحة دعانا هوبز إلى التفكير معه فيما يمكن أن يترتب عن وجود الإنسان في حالة الطبيعة بخصوص علاقته بالآخرين وأحواله النفسية ونوعية الحياة بصفة عامة. ومن هنا يتبين أن مفهوم حالة الطبيعة إنما يكتسي عنده أهمية منهجية بالدرجة الأولى، فهو بمثابة مقدمة أو مصادرة من المصادرات الأساسية التي يتأسس عليها أسلوبه في البرهنة على الأطروحة المشار إليها. يدل هذا المفهوم عنده على وضعية مفترضة لا وجود فيها لسلطة الدولة، وقدم لنا وصفا تحليليا دقيقا لما يمكن أن تكون عليه أحوال الناس وهم على هذه الحال في كتابه "اللوفيتان"* « Leviathan » الصادر عام 1651، يقول في الفصل الثالث عشر من هذا المؤلف المشهور:

"كل ما هناك لازم كنتيجة منطقية لزمن الحرب حيث يكون كل امرئ عدوا لما سواه من الناس؛ ومن الأمور الملازمة لزمن الحرب أيضا أن الناس يعيشون دون أن يكون لهم مما يضمن الأمن غير قوتهم الخاصة والوسائل الخاصة المبتكرة. لا مكان للصناعة في مثل هذه الظروف، لأن ثمارها تكون غير مضمونة. ومما يترتب عن ذلك انعدام زراعة الأرض والملاحة، وعدم إمكانية استعمال السلع التي يمكن استيرادها عن طريق البحر؛ وكذلك يتعذر توسيع مجال العمران، وتنعدم وسائل التنقل ووسائل نقل الأشياء التي يتطلب تحريكها قوة كبيرة؛ ولا يكون في هذه الظروف مجال لقيام المعرفة بأديم الأرض، ولا اعتبار للوقت، ولا فنون، ولا أدب، ولا مجتمع؛ والأسوأ من ذلك كله انتشار الخوف المستمر ومخاطر التعرض للعنف المميت؛ وتكون حياة الإنسان حياة عزلة، وفقر، ورداءة، ووحشية، وتكون قصيرة"      

كيف يفسر طوماس هوبز وجود هذه الوضعية ؟ يُرجع السبب في ذلك إلى الطبيعة الإنسانية. ذلك لأن الطبيعة ساوت بين بني البشر، وجعلتهم سواسية كأسنان المشط فيما يتعلق بالقدرات الجسدية والعقلية، وذلك على الرغم من وجود أفراد يتمتعون بقوة عضلية هائلة أو بدرجة ذكاء عالية. فعندما يؤخذ الكل بعين الاعتبار وينظر إلى الناس كافة بدون تمييز، فإن الفوارق بينهم تبدو غير ذات أهمية. إن تدخل بعض العوامل يبطل الفروق في درجة القوة بين من يبدو قويا ومن يبدو ضعيفا، ويكون بإمكان الضعيف حينئذ أن يقتل القوي، إما بالتحايل عليه أو بالتعاون مع من يشكل القوي خطرا عليهم.

ويرى هوبز أن الناس متساوون في القدرات العقلية الفطرية أكثر مما هم متساوون في القدرات الجسدية. ومن الأشياء التي فطروا عليها التعقل والاحتراس والقدرة على تقدير عواقب الأفعال. وأما ما قد يعرض المساواة في القدرات العقلية للشك فهو تصور الفرد المغلوط لقدراته الذاتية، لأن معظم الأفراد يميلون إلى المغالاة في تقدير قدراتهم الذاتية مقارنة بقدرات عامة الناس، ويحصل لهم الاعتقاد بأن مستوى قدراتهم العقلية لا يوجد له مثيل إلا لدى فئة قليلة من الناس. والناس في هذا متساوون، لأن المباهاة هي من طبيعة البشر. وتدل المباهاة على ميل الفرد إلى أن يقنع بقسمته من العقل، والناس في هذا متساوون أيضا.

وعن المساواة في القدرات ينشأ الاختلاف. لأن تساوي القدرات يؤدي إلى تساوي الطموح لتحقيق الأهداف. فإن وُجِدَ شخصان يرغبان في شيء واحد، وكان من غير الممكن أن يستمتعا به معا على حد سواء، أصبح الواحد منهما عدوا للآخر، يحاول بقدر المستطاع القضاء على غريمه أو إخضاعه لإرادته. وهكذا، فقد يحصل التنافس بين الناس على الأرض ومواردها، ويترامى الأقوياء على أراضي الضعفاء، ويستولون على خيراتها، ويفقد أصحاب الأرض خيراتهم وحريتهم، وربما فقدوا حياتهم أيضا، وقد يلقى المهاجم نفس المصير إذا تعرض لهجوم من هو أقوى منه.

وهكذا تنشأ الحرب عن الاختلاف، لأن الاختلاف يجعل الأمن مستحيلا. وعندما يشعر المرء بانعدام الأمن فإن أحسن وسيلة للدفاع عن النفس هي الهجوم، أي اللجوء إلى الاستراتجيات الهجومية التي يعتمد فيها الأفراد على القوة أو الردع للتحكم في الآخرين إلى أن يستتب لهم الأمر ويتأكدوا من عدم وجود قوة تشكل خطرا عليهم. إنه قانون الحفاظ على البقاء في زمن حرب الكل ضد الكل، بمعنى أن الحفاظ على البقاء يستلزم السيطرة على الآخرين. إن الغرض من السيطرة هنا هو الحفاظ على البقاء فقط. ولكن قد يوجد بين الناس من لا يكتفي بذلك، فيزهو بقوته ويتباهى بعظمته، ويجد المتعة في السيطرة على الآخرين، ويذهب في ذلك إلى أبعد مما تتطلبه الحاجة للحفاظ على البقاء وذلك طلبا للمجد.

هذا بالإضافة إلى أن الإنسان لا يمتلك الرغبة أصلا في مرافقة الغير أو معاشرته طالما لم توجد قوة يخشاها جميع الأفراد ويحترمونها في نفس الوقت. يرجع السبب في ذلك، حسب هوبز، إلى أن كل فرد يرغب في أن ينظر إليه الغير بنفس النظرة التي ينظر بها هو إلى نفسه، وبحب أن يقدره الغير بمقدار ما يقدر هو نفسه. وإذا بدا له من تصرفات الغير إزاءه ما يدل على الكراهية أو التقليل من قيمته، عمل جاهدا على انتزاع نوع من الاحترام منه بالقوة.

ومن هذا التحليل خلص هوبز إلى النتيجة التالية المحتومة: تنطوي الطبيعة الإنسانية على ثلاثة أسباب رئيسية للنزاع بين البشر وهي: التنافس، والاختلاف، والرغبة في تحقيق المجد. يجعل السبب الأول الناس متلهفين إلى استقصاء الربح والحصول على ما تشتهيه أنفسهم بلا حدود، ويدفعهم السبب الثاني إلى طلب الأمن، وأما السبب الثالث فيدفعهم إلى طلب السمعة والرياء. تستعمل نزعة التنافس القوة كوسيلة للتحكم في الآخرين سواء أكانوا أبناء أو زوجات أو إخوة، الخ... ويدفعه الشعور بالاختلاف إلى استعمال القوة للدفاع عنهم وحمايتهم، وأما هاجس السمعة فيتطلب استعمال القوة لمواجهة كل من تسول له نفسه التقليل من شأنهم والمس بكرامتهم من خلال الاستهزاء بهم ونشر الأقاويل التي تسيء إليهم وتحط من قدرهم إلى غير ذلك مما يتسبب في الإساءة إلى أفراد الأسرة أو الأقارب أو أفراد الجماعة التي ينتمي إليها ويتعصب لها.

تلك إذن هي القوى والانفعالات التي تتحكم في سلوك البشر في حالة الطبيعة أو عند غياب سلطة الدولة. إن غياب الدولة يعني غياب قانون يحتكم إليه الناس ويحميهم جميعا، ومع انعدام القانون تحل الفوضى، ويصبح الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان، وتنتشر مشاعر الخوف والحذر، ذلك هو زمن الحرب. "إبان حرب الكل ضد الكل هذه، لا شيء ينظر إليه على أنه غير عادل، وهذه نتيجة منطقية أيضا. لا مكان في هذه الوضعية لمفاهيم الصواب والخطأ ولا لمفاهيم العدل والجور. ذلك أنه حيث لا توجد سلطة مشتركة لا يكون للقانون وجود؛ وحيث لا وجود للقانون، لا يكون لما ليس بعادل وجود. في الحرب تكون القوة والخداع هما الفضيلتان الأساسيتان. وأما العدالة والظلم فلا يمتان إلى القدرات العقلية أو الجسدية بأية صلة تذكر، لأنه لو كانت على صلة بها لوجدت لدى الإنسان المنعزل أو المتفرد في العالم مثلما توجد لديه حواسه وانفعالاته. إنها من الصفات المرتبطة بالإنسان الذي يعيش في المجتمع لا بالإنسان الذي يعيش في عزلة. ومما يترتب عن ذلك ولنفس الأسباب، أنه لا وجود للملكية ولا للمزارع وأنواع العقار في زمن الحرب، ولا تمييز فيه بين ما بحوزتي وما بحوزتك؛ إن ما يملك المرء هو ما يقدر على أخذه بالقوة، ويظل بحوزته ما دام قادرا على الذود عنه والحفاظ عليه".

في مثل هذه الظروف تكون الحرية هي الحق الطبيعي الأساسي الذي يتمتع به لإنسان. والمقصود بذلك الحرية المتاحة لكل فرد لاستعمال كل ما لدية من قوة للدفاع عن نفسه والحفاظ على حياته. ومعنى ذلك أيضا أن دافع الحفاظ على البقاء يخول لكل فرد الحق في استعمال كل الوسائل المتاحة بحرية تامة لتأمين حياته. يدل مفهوم الحرية هنا على عدم وجود قوة خارجية تحول دون استعمال القدرات والوسائل المتوفرة للفرد لتلبية رغباته وتحقيق أهدافه. ومما يترتب عن الحرية بوصفها حقا طبيعيا الصراع بين مختلف الإرادات.   

ومع ذلك يوجد لدى الإنسان نزوع إلى السلم؛ ومن الانفعالات التي تدفعه للجنوح إليه، الخوف من الهلاك، والرغبة في تحسين ظروف العيش من خلال العمل والإنتاج. وبفضل العقل اهتدي الناس إلى القواعد التي ينبني عليها السلم واتفقوا عليها. يطلق هوبز على هذه القواعد اسم القوانين الطبيعية. يعرف هوبز القانون الطبيعي بأنه: "قاعدة عامة اهتدى إليها العقل، تمنع الإنسان من فعل كل ما من شأنه أن يدمر حياته، ولا تبيح له أن يحرم نفسه من الوسائل التي تضمن له الحفاظ عليها، أو أن يتخلى عن كل ما يظن بأنه أحسن وسيلة للحفاظ عليها. ومع ذلك، اعتاد الناس الخلط بين الحق والقانون في حديثهم عن هذا الموضوع؛ ولذلك لزم الآن التمييز بينهما، لأن الحق يعني حرية الاختيار بين فعل شيء أو عدم فعله، بينما يلزمنا القانون بأحدهما ويحدد ما يجب وما لا يجب القيام به. وهكذا فإن الفرق بين القانون والحق كالفرق بين الإلزام والحرية اللذان يكونان قي حالة تنافر عندما يتعلق الأمر بنفس الموضوع".

ومما يترتب عن وجود الإنسان في حالة الطبيعة بوصفها حالة "حرب الكل ضد الكل" أن "لكل فرد الحق في كل شيء" حسب تعبير هوبز. لا يخضع الفرد في مثل هذه الظروف إلا لما يمليه عليه عقله الشخصي، فيدرك أن من حقه أن يستعمل كل الوسائل المتاحة لمقاومة أعدائه من أجل صيانة حياته. وهكذا، فإن غاية الحفاظ البقاء تمنحه الحق في كل شيء بما في ذلك بدن الغير وممتلكاته. وطالما ظل هذا الحق الطبيعي سائدا فلن يكون هناك مجال للسلم، ولن يشعر أي أحد بالأمن مهما كانت قوته العضلية والعقلية.

يتمثل الحق الطبيعي الأساسي، حسب طوماس هوبر في "أن كل فرد يلزم نفسه بالسعي في طلب السلم طالما أنه لم يفقد الأمل في الحصول عليه. وإن هو لم يتمكن من الحصول عليه لجأ إلى استعمال كل وسائل الحرب والخداع". يتألف هذا القانون من شقين، أولهما، "طلب السلم والسير على نهجه"، وثانيهما، "الدفاع عن النفس بكل الوسائل". ومن هذا القانون الطبيعي الأساسي استنبط هوبز القانون الطبيعي الثاني، ومفاده "أن المرء يرغب في شيء عندما يرغب فيه الآخرون أيضا، مثلما هو الحال بالنسبة للسلم والدفاع عن النفس الذي يعتبره ضروريا. فهو يرغب، عندما يرغب الآخرون، في التناول عن حقه في كل شيء، وإذا كان يرغب في التصدي للآخرين بكل حرية فلأنه يسمح للآخرين بمواجهته. لأنه طالما أن لكل امرئ الحق في أن يفعل ما يريد فسيظل الناس في حالة حرب. وإن لم يقبل الآخرون التنازل عن حقهم..فلن يكون هناك أي مبرر لأي أحد للتنازل عن حقه". ومعنى ذلك أن مصلحة أي فرد تستلزم العدول عن السعي إلى تحقيق الغايات من خلال استعمال أية وسيلة من الوسائل بعض النظر عما يمكن أن تلحق من الأذى بالآخرين.

والمقصود بالتخلي عن الحق في كل شيء هو التنازل عن الحرية في الحصول والاستمتاع بشيء على حساب الآخر الذي يمتلك الحق في الاستمتاع به أيضا. ذلك لأن تنازل المرء عن حقه لا يخول لغيره حقا لم يكن يتمتع بها من قبل، لاسيما وأن القانون الطبيعي يخول لكل فرد الحق في كل شيء. ولذلك لا يجوز لمن يرغب في السلم حقا أن يتمتع بحق طبيعي ويحرم الآخرين منه. ولذلك يتطلب تحقيق السلم ضرورة تخلي كل فرد عن حقوقه الطبيعية إما بالتنازل عنها أو بتفويضها إلى غيره. يتنازل عنها إذا كان واثقا من أن تنازله لا يعزز موقع الغير على حسابه، ولا يجعل حياته في خطر. عبر عن هذه القاعدة بقوله: "ليس لدي الحق في فعل أي شيء مهما كان نوعه من أجل البقاء على قيد الحياة بغض النظر عمن سيستفيد من ذلك". ويقوم بتفويضها بوضعها في يد الغير إذا كان يتوقع أن يجني من وراء ذلك منفعة ما. ولكن التنازل عن الحقوق الطبيعية هو في حقيقة الأمر خرق للقانون الطبيعي الأساسي، إذ ليس هناك ما يبرر التنازل عن الحق في الدفاع عن النفس. وأما تفويضها لسلطة ما بناء على عقد متفق عليه فإنه ينسجم تمام الانسجام مع القانون الطبيعي. حيث يكون من المنطقي أن يقبل الفرد بمبدإ عدم الاعتداء على الغير إذا قبل الغير بهذا المبدإ أيضا. وبناء عليه يتفق الجميع على أن تتولى سلطة مشتركة مهمة حفظ أمن وسلامة كل فرد. ذلك لأن التعاقد على عدم الاعتداء المتبادل لا يضمن في حد ذاته الالتزام ببنود العقد، ولذلك يحتاج المتعاقدون إلى وجود سلطة تلزم الجميع بالوفاء بالعهود والمواثيق المبرمة.

ولكن، ما الذي يجعل سلطة الدولة ضرورية لإلزام الأفراد بالوفاء بالعهود التي قطعوها على أنفسهم ؟ ألا يكفي القانون الطبيعي المتمثل في الميل الفطري إلى طلب السلم لضمان التزامهم بالعقد الاجتماعي الذي وضع أصلا لتحقيق أمن وسلامة الجميع ؟ يقتضي الجواب عن هذه الأسئلة استحضار المصادرتين التاليتين: (1) إن الإنسان كائن عقلاني، (2) ويتميز أيضا بكونه أناني وشهواني. فقد تأمر النفس الشهوانية أي فرد باستغلال ثقة الآخرين أو غفلتهم لتحقيق بعض المصالح على حسابهم. ومعنى ذلك أن كل فرد معرض للوقوع في إغراء الإفلات من العقاب، فيستولي على ممتلكات الغير. وإنه لمن الطبيعي أن يلجأ المرء إلى تحقيق مصلحته على حساب الغير؛ وهذا في حد ذاته سلوك عقلاني. فإن كنتَ تملك 100 درهم وكنتُ أنا أملك نفس المقدار من المال، واتفقنا على ألا يسرق بعضنا بعضا، فإن الاتفاق في حد ذاته لا يضمن الحيلولة دون وقوع السرقة بيننا. لا يؤدي العقد الاجتماعي، إذن، بالضرورة إلى إبطال مفعول العوامل الطبيعية السابقة الذكر. فإن سولت لي نفسي الاستيلاء على أموالك، فماذا أخسر؟ إن فشلت خطتي فلا ربح ولا خسارة هناك، وإن نجحت فستكون بحوزتي 200 درهم. وبذلك نكون قد عدنا إلى مرحلة ما قبل معاهدة السلم وعدم الاعتداء.

لنفترض الآن وجود سلطة تلزم الأفراد باحترام وتطبيق بنود المعاهدة بسن قانون يفرض عقوبة مقدارها 300 مائة درهم لكل من سرق 100 درهم. في هذه الحالة سأجد نفسي أمام ثلاث احتمالات: إما أن تفشل خطتي في الاستيلاء على أموالك، وإما أن أسرق أموالك وأنجو، ويكون مجموع ما لدي 200 درهم، وإما أن أسرق ويُلقى القبض علي وأدفع غرامه مقدارها 300 مائة درهم. وإذا كانت الغرامة (300 درهم) وكان مقدار عوائد السرقة 100 درهم، فإنني سأفضل بوصفي عقلاني عدم الاعتداء عليك ما دامت قيمة الخسارة المحتملة (الغرامة) أعظم من قيمة العائدات المحتملة التي تذرها السرقة. من الحكمة في هذه الحالة ألا يجازف المرء بالاعتداء على الغير والاستيلاء على ممتلكاته. وهكذا، فإن الالتزام بالعقد يقتضي بالضرورة وجود قوة رادعة.

ومن القانونين الطبيعيين السابقين استنبط هوبز قانونا طبيعيا ثالثا وهو "أن على الناس أن ينفذوا ما اتفقوا عليه وإلا أصبحت الاتفاقية بلا جدوى أو كلاما فارغ ليس إلا، ولظل حق الإنسان في كل شيء قائما، ولَكُنَّا حينئذ ما زلنا في حالة الحرب". يمكن صياغة هذا القانون بعبارة أخرى على النحو التالي: إن من مصلحة الإنسان أن يطبق بنود الاتفاقيات والمعاهدات، لأن ما يجنيه من تطبيقها (السلم) أعظم قيمة مما ستؤول إليه أحواله (الحرب وانعدام الأمن والثقة) إن نكث العهود. وعن هذا القانون الثالث تصدر العدالة. إذ من العدالة أن يلتزم الجميع بالعقد الاجتماعي الذي اتفقوا على إبرامه، وتقتضي العدالة أن يكون المواطنون متساوون أمام القانون. وبالتالي، فإن الظلم يكمن في عدم الوفاء بالعهود والمواثيق المبرمة عن طواعية واختيار وفي عدم تطبيق القانون على الناس بشكل متساو. ومن القانون الطبيعي الثالث استنبط هوبز جملة من المبادئ والقيم الأخلاقية التي يلخصها المبدأ الأخلاقي الذي يأمر بأن "لا تفعل لغيرك ما لا ترغب في أن لا يفعله الغير لك ".

وإذا كانت الدولة بقوانينها ضرورية لإلزام الناس باحترام العقد الاجتماعي لضمان الأمن وتحقيق السلم والاستقرار في المجتمع، فهل القانون كافي لإجبار الناس على الالتزام بالمواثيق والعهود ؟ هل السلطة كافية لردعهم ؟ وهل يكفي الخوف من العقاب لإجبار الناس على الامتثال للقوانين ؟ ألم يوجد القانون إلا ليخرق، كما يقال ؟ وإذا كان القانون غير كاف وحده لردع الناس، فما هي المواصفات التي يجب أن تتوفر في الفرد ليكون قادرا على التعاقد والالتزام بالعقود ؟ هذه هي الأسئلة التي حاول الفيلسوف الأمريكي جون راولز الإجابة عليها في مؤلفه المشهور "العدالة كإنصاف" في محاولة منه لتطوير نظرية العقد الاجتماعي التي ترجع أصولها إلى طوماس هوبز وجون لوك وجون جاك روسو وغيرهم ممن جاؤوا بعدهم (أنطر مقالتنا "الليبرالية السياسية وفكرة العدالة لدى جون راولز").         

* كل النصوص الموضوعة بين مزدوجتين مقتبسة من النسخة الأصلية لكتاب

  Thomas Hobbes. Leviathan

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : دروس
Ecrire un commentaire - Voir les 1 commentaires - Recommander
Lundi 30 juin 2008

مهنة التدريس

في مواجهة التنظيم البيروقراطي للتعليم

أحمد أغبال

. 1. وضعية المدرس

إذا كان الباحثون في علوم التربية قد أولوا مكانة خاصة للمدرسين في بحوثهم، فإن اهتماماتهم انصب في معظم الأحيان على أدوارهم البيداغوجية والتربوية، وعلى مكانتهم في نظام التعليم باعتبارهم فاعلين تربويين. وإلى عهد قريب، ظلت نظرية الدور théorie des rôles المرتبطة بالنظرية الوظيفية توجه معظم البحوث التي تناولت المدرسين لما توفره من إمكانيات هائلة للقيام ببحوث ميدانية لسهولة أجرأة مفاهيمها(Grace, 1978) . ولا يختلف الأمر بالنسبة للاتجاهات النقدية في علم الاجتماع ممثلة ببرنشطاين وبورديو، والتي أولت عناية خاصة لعلاقات المدرسين بالطبقات الاجتماعية والدولة، وانشغلت بدراسة دورهم السياسي-الأيديولوجي باعتبارهم عناصر فعالة في عملية معاودة الإنتاج على الصعيدين الاجتماعي والثقافي. يبدو وكأن هؤلاء الباحثين يتعاملون مع المدرس كما لو كان مجرد آلة في الجهاز التعليمي مسخرة لخدمة أهداف هذا الجهاز لا غير، كما لو أنه كائن يعمل لتحقيق حاجات الآخرين دون أن تكون له هو مصلحة خاصة في العمل الذي يقوم به، أو حاجة يسعى ألى تلبيتها من خلال كدحه. ولذلك تم إغفال الواقع الوجودي للمدرس وتجربته الذاتية في العمل.

إن رجل التعليم هو مربي، هذا صحيح، ولكنه ليس مربيا على الطريقة المثالية السقراطية. كان سقراط يتسكع في شوارع أثينا وسخا عاري القدمين يعلم الحكمة للشباب ويوصيهم بالنظافة والأناقة، ولا يتقاضى أجرا على ذلك .(Encyclopédie de la Pléiade, 1974) ما هو مورد رزقه؟ وماذا كان يجني من عمله ؟ مورد رزقه أهملته ذاكرة المؤرخين، ربما لأن سقراط نفسه قلل من قيمته وتعالى عليه. وأما بخصوص المسألة الثانية، فلا شك أنه كان يجني المتعة في تبليغ الرسالة وتحقيق الذات. لم يشتغل سقراط في إطار مؤسساتي، ولكن في فضاء الأغورا، متحررا من ضغوط العمل والمراقبة المؤسساتية، فهو المشرع والمبرمج والمنفذ، تلك هي مقومات البطولة.

كان سقراط بطل زمانه الأكبر. كان يواجه مختلف القوى الاجتماعية مؤمنا بقدرته على التأثير فيها. لم يطمح إلى الارتقاء ماديا، ولكن إلى التسامي الروحي. فلو كان طموحه هو الترقية المادية وتسلق السلم الاجتماعي لكان حرمانه من مورد الرزق كافيا لعقابه وردعه، لذلك توجه العقاب إلى صد الروح عن تساميها بقتله.

رجل التعليم في زماننا كادح بالمعنى المعاصر لكلمة الكدح. إنه بروليتاري، بغض النظر عن طبيعة العمل الذي يقوم به والذي هو عمل فكري أو ثقافي .(Orga and Lawn, 1981) يشير  مفهوم البلترة عند أورغا إلى العملية التي تحصل عندما يفقد العامل القدرة على برمجة أعماله وعلى إنجازها، تتمثل تلك العملية أساسا في نقل مهاراته خارج ميدان العمل. يترتب عن هذه الوضعية تقلص دائرة استقلال المدرس الكادح، واشتداد المراقبة عليه، وتدني مهاراته، وتوتر علاقاته مع الإدارة. كانت هذه المشاكل تخص عمال المصانع في مرحلة أولى، ثم انتشرت بعد ذلك لتعم أوساط المدرسين وجميع ذوي الياقات البيضاء.

2. العمل والحاجات البشرية.

لقد اتجهت الأعمال في عصرنا الراهن نحو مزيد من التجانس، وبدأت تنمحي الفوارق بين العمل اليدوي والعمل الفكري. لذلك لزم أن ننظر إلى المدرس على أنه عامل بروليتاري قبل أن يكون مربيا، وظف لتربية الناشئة وفقا لبرامج وأهداف لم يخترها ولم يشارك في وضعها، وربما تعارضت مع ما يطمح إليه، وهو يتقاضى أجرا مقابل خدماته، وليست له سيطرة على الوضعية التعليمية التي تحكمها مبادئ بيروقراطية تخرج عن نطاق إرادته وتحكمه.إن ضغوط العمل التي تميل إلى سحق ذات المدرس الكادح، وفقدان القدرة على السيطرة على الأوضاع  هي الخصائص الأساسية التي يعبر عنها مفهوم البلترة، وهي التي تحدد حقيقة وجوده كمدرس. لذلك اعتبرت مسألة الشغل من القضايا الأساسية التي تهم جميع الكائنات البشرية، وأصبح مفهوم الشغل يحتل مكانة مركزية في جميع العلوم (Galtung ;1985). هذا ما عبر عنه الباحث رشارد براون بقوله أن أهم الأسئلة وأكثرها خصوبة في علم الاجتماع هو ذلك السؤال الذي نطرحه على الناس لمعرفة ماذا يعملون، لأنه يمكننا من معرفة حقيقة تجربتهم في الحياة ( أورد. (Burgess, 1986 وهذا ما ذهب إليه هوغس Hughes أيضا حين قال بأن مفهوم العمل هو مفتاح معرفة حياة الإنسان ووجوده الاجتماعي وهويته ( اورده هارتنت Hartnett (1982). وقد سبق لولر (Waller, 1932) أن طرح هذا السؤال بالنسبة للمدرسين قبل عدة عقود وصاغه على الشكل التالي : ماذا يصنع فعل التعليم بالمعلمين ؟ وما هي محددات مهنة التعليم ؟ غير أن الجواب عن هذا السؤال ظل عالقا زهاء نصف قرن، ولم يبدأ الاهتمام بشكل جدي بقضايا العمل التربوي ودلالاته بالنسبة للمدرسين، وضغوطه عليهم، وآثاره على نفسيتهم وروحهم المعنوية إلا في بداية السبعينيات. وتعتبر أعمال كيدي (Keddie, 1971). وأعمال شارب وغرين.(Sharp and Green, 1975) رائدة في هذا المجال. فقد حاولوا تسليط الضوء على الواقع الذاتي للمدرسين في علاقته بضغوط العمل في إطار وضعية محددة. ثم درس رنلد غراس بعد ذلك تأثير ظروف العمل على وعي المدرسين البريطانيين من منظور اجتماعي-تاريخي على إمتداد النصف الثاني من القرن التسع عشر والقرن العشرين (Grace, 1978).

وإذا كان المدرس من جملة الكادحين الذين يشتغلون في وضعيات وظروف قاهرة، فإنه إنسلن يتميز بما لديه من إرادة ونزوع إلى الحرية والاستقلال، وبما له من حاجات فيزيولوجية وسيكولوجية. لذلك، فإن أية نظرية في العمل لابد وأن تنطوي على تصور معين لدوافع الإنسان وحاجاته. ذلك لأن مفهوم الحاجة يساعد على فهم حقيقة وجوده الاجتماعي وواقعه الذاتي في تفاعله مع مختلف عوامل محيط العمل. وقد حاول بعض الباحثين المهتمين بدراسة ظاهرة الشغل في المنظمات الصناعية وغيرها بلورة نظرية عن الحاجات على أساس تصور معين لطبيعة الإنسان. ولعل من أشهر الإنجازات التي تحققت في هذا المجال تلك التي ترتبط بأسماء كل من أبرهام ماصلو (Maslow,1954) وفردريك هرزبرغ(Hertzberg,1966) وجوهان غالتونغ (Glatung,1985).

يرى ماصلو أن القوة الدافعة في العمل هي الرغبة في تلبية مجموعة من الحاجات. ولكن هذه الحاجات لا تفرض نفسها على الفرد دفعة واحدة وفي وقت واحد، بل تظهر الواحدة منها تلو الأخرى وفقا لمنطق الأوليات الذي يحكم تراتبها. وأول ما يظهر من الحاجات عند الفرد، في نظره، هي الحاجات الفيزيولوجية التي تفصح عن نفسها بواسطة الشعور بالجوع والعطش الخ. تليها الحاجة إلى الأمن، وهي تفصح عن نفسها من خلال الخوف من انقطاع الموارد التي تلبي الحاجات السابقة، ثم تأتي بعدها الحاجات الاجتماعية، وهي تتمثل في الرغبة في إقامة علاقات ذات معنى ودلالة مع الآخرين، وتليها الحاجة إلى الاعتبار الذاتي، ويقصد بها اعتبار الشخص لذاته وتقدير الآخرين له. وعندما تتحقق هذه الحاجات كلها يشعر الشخص بالرغبة في تحقيق الذات self actualization وهي اسمى الحاجات كلها على الإطلاق، وتتحقق عندما يشعر الشخص بأن ما يفعله يتطابق تماما مع ما ينوي ويقصد فعله. ويرى ماصلو أن الحاجات العليا لا يستشعرها المرء إلا إذا استطاع تحقيق ما دونها في الرتبة أو على الأقل تحقيقها بنسبة مهمة.

وأما هرزبورغ فإنه انطلق من نظرية ماصلو ليؤسس نظريته المشهورة باسم " نظرية الحوافز والوقاية الصحي"Motivator hygiene theory، ويميز فيها بين نوعين من الحاجات :

أ- الحاجات التي يتوقف إشباعها على ما يسميه هرزبرغ عوامل الوقاية الصحية hygiene factors  في محيط العمل. يتعلق الأمر بالحاجات الفيزيولوجية والاجتماعية والحاجة إلى الأمن. وأما عوامل الوقاية الصحية فيقصد بها سياسة المنظمة وإدارتها وأجهزة المراقبة والأجور والعلاقات البيشخصية وظروف العمل. يحول إشباع هذه الحاجات دون تولد الشعور بالأسى والألم، ولكنه لا يخلق الشعور بالمتعة والرضا. وأما عدم إشباعها فإنه يولد الألم والقلق والانزعاج والشعور بالحرمان وعدم الرضا.

ب- الحاجات التي ينم إشباعها عن ارتقاء الذات وتناميها  كالحاجة إلى اعتبار الذات والحاجة إلى تحقيقها، وهي ترتبط بالعوامل المحفزة motivator factors كالإنجاز والمسئولية والاعتراف بالإنجاز وتقديره وإمكانيات الترقية وطبيعة الشغل ذاته. عندما يتسنى للشخص إشباع هذه الحاجات فإنه يشعر بالمتعة والرضا والارتياح. ولكن عدم إشباعها لا يولد الشعور بالأسى والألم ولا بالحرمان وعدم الرضا.

تختلف العوامل التي تفسر ظاهرة الاستياء وعدم الرضا عن العمل، حسب هذه النظرية، عن العوامل المسئولة عن تنامي الشعور بالرضا عن العمل. ذلك لأن الرضا عن العمل يرتبط بعوامل الوقاية الصحية، فإن كان تقدير الفرد لهذه العوامل سلبيا فإنه سيكون عرضة لمشاعر الحرمان والإحباط وعدم الرضا عن العمل، وإذا كان تقديره لها إيجابيا أمكنه التخلص من هذه المشاعر. ولكن الاتجاه الإيجابي نحو عوامل الوقاية الصحية، وإن كانت تساعد على التخلص من مشاعر الحرمان والإحباط وعدم الرضا، فإنها مع ذلك لا تولد الشعور بالارتياح والرضا عن العمل.  وأما الرضا عن العمل فإنه يرتبط بالعوامل المحفزة:  فإن كانت نظرة الفرد إليها إيجابية، أدى ذلك إلى تنامي الشعور بالرضا عن العمل. وأما النظرة السلبية إليها فلا يعتبرها هرزبورغ كافية للإيقاع بالفرد في ورطة الشعور بالحرمان.

ولقد استعمل أرجرس Agiris نظرية ماصلو لتفسير ظاهرة الاستلاب وانسلاخ الفرد عن واقع العمل، وعزى ذلك إلى التعارض القائم بين خصائص المنظمة وحاجات الفرد السامية، من حيث أن المنظمة لا توفر للفرد الشروط الضرورية لإشباع الحاجة إلى اعتبار الذات وتحقيقها.

وعلى الرغم من أهمية نظرية ماصلو وخصوبتها المتجلية فيما استلهمته من أعمال، فإنها تعرضت لانتقادات عديدة؛ إلا أن هذه الانتقادات لا تقلل من قيمتها، بل تشهد على خصوبتها بطريقة أخرى. ذلك لأن النقد لم يؤد إلى أحداث قطيعة نهائية معها، بل ساعد على تطويرها من خلال تعديلها وإغنائها. ولعل أهم ما يؤخذ على ماصلو قوله إن الحاجات لا تظهر دفعة واحدة وفي وقت واحد؛ ونفى بعض الباحثين أن تكون متراتبة ومتفاوتة من حيث قيمتها وأهميتها بالنسبة لحياة الإنسان(Galtung, 1985)..

وإذا كانت بنية الحاجات قد أخذت شكلا هرميا في نظرية ماصلو فإن غالتونغ قدم لنا تصورا آخر عنها، وميز فبها بين مجموعتين وهما : الحاجات المادية أو الفيزويلوجية والحاجات اللامادية أو الروحية. وقسم كل مجموعة منهما إلى قسمين، وهي الحاجات التي يتوقف إشباعها على السلوك الفعلي للشخص العياني المحدد، والحاجات التي يتوقف إشباعها على الإمكانيات التي تتيحها طريقة اشتغال البنيات الاجتماعية. ويترتب عن هذا التقسيم وجود أربعة أنواع من الحاجات، نوردها في الخطاطة التالية مرفقة بنقائضها موضوعة بين قوسين.

أنواع الحاجات ونقائضها

 

الحاجات التي يتوقف أشبعها على نشاط الفرد

الحاجات التي يتوقف إشباعها على طريقة اشتغال البنيات

الحاجات المادية

ضمان العيش والبقاء

(العنف، الموت)

 

الرفاهية والرخاء

(الفقر، الموت)

الحاجات اللامادية

الحرية

(القمع)

إثبات الهوية

(الاستلاب)

                  المصدرGaltung، 1985، ص 131.

يقصد بالرفاهية والرخاء الحالة التي يكون عليها الإنسان عندما تتحقق له كل شروط العيش كالمأكل والملبس والمسكن والادخار والتعليم والصحة ووسائل النقل والاتصال؛ ويمتد بعضها إلى مشارف الحياة النفسية أو الروحية للإنسان. وما يميز الحاجات المادية هو كونها معرضة باستمرار للانتفاء، إما بسبب العنف المباشر المؤدي إلى الموت، وإما بسبب العنف غير المباشر المرتبط بطريقة اشتغال البنيات، والذي يؤدي عبر الفقر إلى الموت البطيء. وأما الحاجات اللامادية فإنها ملازمة لحياة الإنسان، ولا يتوقف طهورها على ولوج مرحلة الرفاهية والرخاء، بل ربما وجدت لدى الحيوان أيضا، ولعل ما يدل على ذلك هي حالة الاكتئاب التي تظهر على الحيوانات البرية التي تمضي حياتها في سجن الحدائق.

ولما كانت نظرية العمل تقتضي بالضرورة نظرية الحاجات لزم النظر إلى المدرس باعتباره إنسانا يسعى، قبل كل شيء، من خلال نشاطه المهني، إلى ضمان العيش والرخاء، يلازمه في ذلك طموح إلى الحرية ولاستقلال وإثبات الهوية. ولكن، ماذا لو أدت طريقة اشتغال بنيات المنظمة  التي يعمل فيها إلى سلب حريته وهويته ؟

 

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : مقالات
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Dimanche 29 juin 2008

مهنة التدريس

في مواجهة التنظيم البيروقراطي للتعليم

(الجزء الثاني)

أحمد أغبال

3. عملية البلترة كنتاج للتعارض بين حاجات الفرد وحاجات المنظمة

لقد أثبت أرجيرس Argiris أن الخصائص البنيوية للمنظمات تتعارض في الغالب مع الحاجات اللامادية لأفرادها. هذا التناقض هو المبدأ الذي تقوم عليه عملية البلترة أو عملية المسخ حسب تعبير فرانز كافكا المجازي العنيف، وهي العملية التي تحول الكائنات البشرية إلى بهائم دون أن تحتاج في ذلك إلى بذل أي مجهود (Camus, 1942)، وهو تعبير مجازي آخر لا يقل عنفا عن التعبير السابق. يشير مفهوم البلترة في سياق هذا التحليل إلى حلة الإنسان الذي انتزعت منه حريته وهويته. وهو بهذا المعنى مرادف لمفهوم الاستلاب. تعني البلترة، حسب تعريف أورغا ولاون السابق الذكر، عملية نقل المهارات خارج ميدان العمل، وهذا ما يدل عليه مفهوم الاستلاب كما سنوضح ذلك فيما بعد.

استرعت هذه الوضعية انتباه العديد من الباحثين خلال العقدين الأخيرين، وعكفوا على تحليل مختلف مظاهرها وبيان آثارها السلبية على المنظمة ذاتها وعلى فعاليتها ومردودبتها. ولعل من أهم مظاهرها ما يشير إليه مفهوم " الاحتراق الداخلي"  burnout أو " الإرهاق المهني"  épuisement.professionnelيدل هذا المفهوم على الحالة التي تكون عليها منظمة تبدو من الخارج سليمة ومعافاة من كل أنواع الخلل بينما هي في الواقع معتلة منخورة من الداخل. ومن أعراض هذا المرض تراخي الطاقة العاطفية-الوجدانية، وتزايد الأعباء الذهنية والضغط النفسي ومختلف أنواع التوتر الناتجة عن الضغوطات الخارجية (Sarabach ; 1992). تظهر هذه الأعراض بقوة في مجالات التعليم والصحة وفي قطاع الخدمات على العموم. وهي تدل على وجود اختلالات وظيفية في حقل العمل داخل المنظمات ذات الطبيعة البيروقراطية، تتجلى في التعارض القائم بين ميول الفرد وميول المنظمة. يولد هذا التعارض ردود فعل عاطفية-وجدانية لدى الأفراد ترافقها الأعراض السابقة الذكر وامتداداتها النفسية-العضوية، وغالبا ما ينتهي الأمر بهؤلاء الأفراد إلى تغيير اتجاهاتهم وسلوكياتهم. يعرف باينس Pines  ومسلاش Maslach الاحتراق الداخلي بأنه "جملة من الأعراض المرتبطة بالإرهاق العضوي والانفعالي الوجداني التي تخلق عند الفرد تصورا سلبيا عن ذاته واتجاهات سلبية نحو العمل، وتصرفه عن الاهتمام بالأفراد اللذين أسندت إليهم مهمة العناية بهم" (Pines and Maslach, 1978). يتبين من هذا التعريف وجود علاقة بين ظاهرة الاحتراق الداخلي وظاهرة الاستلاب، وربما كانت هذه المفاهيم تعبر عن شئ واحد، ربما كانت أسماء لمسمى واحد. وما يؤكد ذلك هو تعريف شرنس Cherniss التركيبي المركز لظاهرة الاحتراق الداخلي، حيث وصفها بأنها انسلاخ سيكولوجي عن واقع العمل يأتي كرد فعل إزاء ضغوطه المفرطة (Cherniss, 1980)؛ وهذا هو ما يدل عليه مفهوم الاستلاب عند شباردShepard، حيث عرفه بأنه: "انسلاخ نفسي-اجتماعي عن واقع العمل.(Shepard, 1972)

وإذا نظرنا إلى ظاهرة الاحتراق الداخلي من جهة ما تحدثه من آثر في شخصية الفرد  فسنجد بأنها تختلف كثيرا عن ظاهرن الاستلاب. يؤدي الاحتراق الداخلي إلى نخر الشخصية من الداخل بتآكل مكونات حياتها العاطفية-الوجدانية، ومواردها، وطاقاتها، وقدراتها، وبانكماش الذات وانطوائها على نفسها، فتطمس هويتها وتنمحي. يتجلى ذلك من خلال الإرهاق النفسي-الوجداني والاتجاهات السلبية والكلبية الساخرة التي تتشكل عند المدرسين نحو تلامذتهم، وعدم اعتبار الذات أو تقديرها تقديرا سلبيا، وفقدان الثقة في النفس وفي القدرة على الإنجاز، والانطواء على الذات، وتقلص علاقات الفرد مع الآخرين(Srabach, 1992). هناك تشابه كبير بين هذه الأعراض ومظاهر الاستلاب. يتجلى ذلك بوضوح من خلال مقارنة تلك الأعراض بما يشير إليه رنالد أريك Urick في تعريفه لمفهوم الاستلاب، فهو يرى بأن " الاستلاب كلمة تشير إلى مشاعر بعض الناس وتصوراتهم عن أنفسهم وعن بعض مظاهر المحيط الاجتماعي، لما يوجد بين الذات والمحيط من روابط. إن هذه التصورات والمشاعر هي على العكس مما ذهب إليه الشاعر الإنجليزي جون دن john Donne في قصيدة يقول فيها: لا وجود للجزر في عالم الإنسان؛ كل شخص هو جزء من القارة."(Urick, 1977, p. 8) ومن مظاهر استلاب الفرد ميله إلى أن يصبح " جزيرة ""  منفصلة عن الآخرين حين يستحوذ عليه الاعتقاد بأن لا شيء يربطه بهم، فتفقد الحياة معناها في نظره، وتتلاشى عنده القيم والمعايير الخلقية، ويفقد السيطرة على الأحداث والوقائع، فيشعر بالعجز والوهن، ويفقد القدرة على الفعل والتأثير، ومن ثمة يفقد الثقة في النفس، ويحط من قدرها، فتتبخر هويته، ولا يستطيع بعد ذلك الإجابة، كما يقول أريك، عن السؤال : "من أنا ؟". قد تكون أعراض الاحتراق النفسي ناتجة عن تفاقم ظاهرة الاستلاب.

ويرجع الأصل في ذلك كله إلى اختلال التوازن بين موارد الفرد ومتطلبات المنظمة التي يعمل فيها، ويرجع بالخصوص إلى التعارض بين تصور الفرد للشغل وكيفية تنظيمه وطريقة إنجازه في المنظمات الحديثة. إن الشغل من حيث طبيعته هو " نشاط وجودي existential activity "حسب تعبير برانكو هرفت(Horvat, 1985). وبوصفه كذلك، فإن له وضعية أنطلوجية محددا؛ ولهذا الوضعية أبعاد عديدة، فيزيولوجية، واجتماعية، وسياسية، ونفسية أو روحية؛ ولهذه الأبعاد جميعها أهمية كبيرة في حياة الإنسان، فهي ضرورية لضمان عيشه، وسلامته العضوية والنفسية، كما أنها ضرورية لتحقيق ذاته لتكون للحياة عنده معنى، فينظر إلى العالم بنظرة إيجابية، وهذا هو مصدر سعادته. ذلك ما يفترض أن يتحقق في وضعية مثلى. " أما وأن تكون السلطة التي تراقب أفعالي في يد الغير، فإن من شأن ذلك أن يفصل الأفعال عني، وبما أن العمل نشاط وجودي فستكون لانفصاله آثار سيكولوجية واجتماعية عميقة على الفرد والمجتمع. إن استلاب العمل يخلق مجتمعا مستلبا." .(Horvat, 1985, p. 235)يعبر مفهوم الاستلاب هنا عن وجود شرخ في حياة الإنسان يفصل الذات عن نشاطها الوجودي ويفقدها السيطرة عليه. أما مفهوم الاحتراق الداخلي فإنه يحيل إلى التعقيدات النفسية والنفسية-العضوية المترتبة عن وجود ذلك الشرخ. وأما العملية التي تؤدي إلى حدوث ذلك التصدع فهي عملية البلترة كما حددها لاون وأورغا، والتي ترتبط بكيفية توزيع السلطة في المنظمات البيروقراطية وغيرها. ومن هنا ضرورة تحليل المنظمة المدرسية بهدف تحديد خصائص الوضعية التي يشتغل فيها المدرس وتناقضاتها لبيان آثارها المحتملة على وجوده.

4. طبيعة المنظمة المدرسية

يعرف إتزيونيEtzioni  المنظمات بأنها وحدات اجتماعية أنشئت وفقا لخطة معينة وأرسيت بنيتها بشكل إرادي لتحقيق أهداف معينة. يشمل مفهوم المنظمة المستشفيات والسجون والمؤسسة العسكرية والمؤسسات الدينية والتعليمية كالكنيسة والمدارس والجامعات. وتتميز المنظمات بتقسيم الشغل وتوزيع السلطة والمسئوليات بين أفرادها، كما تتميز بوجود مركز أو عدد من مراكز القرار وأجهزة المراقبة التي تسهر على ضبط السلوك وتوجيه الجهود نحو تحقيق الأهداف المسطرة (Etzioni, 1971) . وتعتمد المنظمات في تنظيم علاقات أفرادها بعضهم ببعض على مبادئ وقواعد شكلية. وتنشأ عن عملية التنسيق هذه بنية المنظمة التي تتميز بنوع من الاستقرار والثبات (Weiss, 1964)

يعكس مفهوم البنية طريقة توزيع المهام والسلطة والمسئوليات لضمان تحقيق الأهداف؛ وتعتبر البنية، بهذا المعنى، كيانا مصطنعا يقوم على أساس عقلي منطقي. إن الطبيعة العقلانية للمنظمات تفرض، من حيث المبدأ على الأقل، أن يسلك الفرد بطريقة عقلانية. ويقصد بالسلوك العقلاني هنا الالتزام التام بالخطة الشكلية وبالبرامج التي تضعها المنظمة لبلوغ أهدافها. يتعين على الفرد في وضعية مثلى، أن يغير " طبيعته الإنسانية " وذلك بأن يتخلى عن كل ما ليس بعقلاني، لتكون أكثر تلاؤما مع متطلبات المنظمة. غير أنه من الصعب تحقيق هذا المطلب في الواقع؛ ولهذا السبب، دعا بعض المهتمين بشؤون تدبير المنظمات من دعاة التنظيم العلمي (طايلور Taylor وفايول (Fayol إلى ضرورة إحداث ثورة على صعيد العقليات يكون هدفها هو جعل "الطبيعة الإنسانية" أكثر تلاؤما مع الطبيعة العقلانية للمنظمات(Argiris, 1964) . تقوم هذه الدعوة على فرضية مفادها أنه من الممكن التأثير في الإنسان لإجباره على التكيف مع ظروف المنظمة والاستجابة لمتطلباتها؛ وتستبعد هذه الفرضية إمكانية تصور بنية تنظيمية تتلاءم مع "الطبيعة الإنسانية". إن ما يجب تغييره في نظر دعاة التنظيم العلمي هو الإنسان، وليس النظام الشكلي المصطنع. لذلك سيظل التعارض قائما بين ميول الفرد وميول المنظمة؛ وسيظل هذا التعارض مصدر آلام ومآسي العاملين في المنظمات.

 

Par Ahmed AGHBAL - Publié dans : مقالات
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander

Publicité

Recherche

Catégories

Recommander

Créer un blog sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés